جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

العجوز.. قصة قصيرة بقلم / عبد الحسين الشيخ علي / العراق

0 14

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

العجوز.. قصة قصيرة بقلم / عبد الحسين الشيخ علي / العراق

- Advertisement -

في الخامسة والسبعين من عمرها وهي تكدح في النهار لتاتي بلقمة العيش بثيابها المعهودة يوميا والتي تُظهر مدى فقرها اضافة الى وهنها الذي يزيد من حاجتها لمن يعتني بها وحين تنظر اليها تجد الزمن البائس قد رسم تجاعيده على وجهها وجبينها وتقرأ من خلال وجهها قسوة الحياة عليها وقد تركها زوجها منذ امد بعيد الى رحمة ربه وابنها الوحيد الذي مات في الحرب دون زواج ومضى مظلوما الى رحمة ربه .
تلك العجوز التي يبدو عليها الفقر الشديد وعينينها اللتان ترشحان دمع انه ليس ببكاء بل لوجود ماء ابيض في عينيها يزيدهما احمرارا مما يجعلها اقل تركيزا في الرؤية لذلك كانت تستقر في مكانها المعهود يوميا من الغبش في السوق تحمل اكياسا من النايلون الأصفر (علاگة ) تربط مجموعة منها في حزامها وتحمل اثنان وهذا هو حالها يوميا الى ان ينتهي النهار وقبل الغرب بساعة تذهب الى اهلها . كان ذلك الرجل يوميا ياتي الى السوق في بعض الاحيان يتسوق وبعض الأحيان يذهب الى مقهى قريب من تلك العجوز ليشرب الشاي تلك المقهى قديمة جدا حيث يجتمع فيها ارباب العمل (عمال البناء ) وبعض كبار السن يأتون من قرى قريبة ليجتمعوا في تلك المقهى يتبادلون الاحاديث حول الوضع الراهن في البلد وتارة اخرى يستذكرون ايام زمان ومن حديثهم تجدهم يحنون إلى الماضي وذكرياتهم وايام شبابهم وهم يندبون الحاضر بمأسيه من تدافع الازمات على هذا البلد من حروب وحصار ثم احتلال وحروب طائفية لم يعهدوها وهو يشاركهم الحديث ونظراته في أكثر الأحيان تذهب الى جدران المقهى والكنبات ( الكرويتات ) القديمة التي يجلسون عليها وتارة وهو يحدثهم يتصفح وجوههم التي تحمل ذكريات الماضي بتجاعيدها اضافة الى احاديثهم وهو باك في داخله وفي صدره لوعة لما الت اليه ظروف البلد فيخرج علبة سكائره ويوقد سيكارة تلو الاخرى وبعد ان يشعر بالضيق يترك المقهى مسلما على الموجودين ويذهب الى محل عمله . في احد الايام وهو يراقب تلك العجوز قرر ان يشتري منها كيسا (علاگة ) ليضع فيه ما اشتراه من خضار اتجه اليها وهي واقفة بلباسها الاسود من رأسها الى قدميها وكانت ملابسها تدل على فقرها واما وجهها كان يحمل مآسي السنين وقد أضاف منظرها أحزانا وهموما الى قلبه الحزين اصلا فانه جزء من هذا الزمن والحال المزري وكأن امه المتوفاة منذ عقدين شاخصة امامه لان تلك العجوز تمثل له الماضي بكل شخوصه واحداثه وخصوصا اهله وأعمامه وابنائهم وجيرانه واصدقائه الذين مضوا الى بارئهم وظلت ذكرياتهم عالقة في ذهنه تقدح زنادها كلما راى شخصا كبيرا او شارعا يذكره بهم وتلك العجوز اثرت فيه جدا وبعد ان سلم عليها ردت عليه بكلام اروع ما يكون فيه من الحنان والدعاء وبلهجتها العراقية الجنوبية البريئة وعند سماعه كلامها رق قلبه لها واعطاها خمسة الاف دينار فاخذت تدعوا له من كل قلبها ثم اتجهت الى مكان اغراضها واخرجت كيسا فمدت يدها في الكيس واخرجت مسبحة وقالت هاي المسبحة لك وقد جلبتها من كربلاء من قرب مرقد ابي عبد الله الحسين عليه السلام فاخذها وهو فرح وقد غمرته السعادة لتلك الهدية الزهيدة الثمن الغالية في معناها الروحي ثم سلم عليها وذهب وفي احد الايام اتجه اليها مباشرة ليعطيها مبلغا من المال لانه علم منها انها معيلة لابناء ابنتها الايتام ويسكنون معها مع امهم وقد مات والدهم نتيجة مرض عضال فشكرته ودَعَت له من كل قلبها وفي تلك الاثناء انتبه الى احد عينيها ليست كالاخرى فسالها عنها فقالت له ان بها ماء ابيض وقد اجريت عملية لهذه وبقيت هذه ولدي موعد مع الطبيب لاجراء عملية لها فوعدها ببعض المال وسلم عليها وذهب .بعدها سافر الرجل خارج البلد لتغيير الاجواء وللاعلاج وبقي حوالي خمس وعشرون يوما ثم عاد وفي فكره وهو في الطريق ان يذهب الى تلك العجوز ويطمئن على احوالها ويعطيها بعضا من المال لتعيل نفسها وايتام ابنتها وبعد ان وصل الى البيت انشغل بالعمل نسي ان يذهب اليها وبعد ثلاثة ايام تذكرها بعدما رجع الى بيته من العمل فقرر ان يذهب لها فورا وكانت المسافة تدعوه الى ان يركب سيارة حتى يصل اليها فاتجه الى كراج السيارات في الظهيرة ودرجات الحرارة العالية وكانت السيارت شحيحة وغير متوفرة في تلك الفترة الا نادرا فظل واقفا تحت اشعة الشمس المحرقة الى ان جائت سيارة اجرة فركب بها وبعد وصوله الى مكان وجودها تفاجأ بعدم وجودها لانه كان يحمل معه بعضا من المال لها ولم يخطر بباله ان يسال احدا من اصحاب البسطيات عنها فرجع الى البيت محدثا نفسه وهو في الطريق ربما ذهبت للبيت لتستريح او ربما اجرت عملية لعينها ؟ اصبح الصباح وبعد ان تناول فطوره ذهب الى عمله القريب من مكان وقوف تلك العجوز المسكينة وقبل ان يذهب الى عمله ذهب اليها ليطمئن عليها ويعطيها المال وعند وصوله لاحت منه نظرة الى المكان الذي تضع فيه أغراضها فوجده فارغا من اشياء ولا يوجد الا منضدة حديد فارغة وقد بانت اضلاعها الحديدية تبعث في النفس الحزن . ظل واقفا امام تلك المنضدة يبحث بعينيه يمينا وشمالا عنها فلا اثر لها فاتجه الى صاحب ( بسطية ) يعرفها فساله عنها قائلا له اين تلك العجوز التي تبيع اكياس النايلون (علاگة ) فطأطأ الرجل راسه الى الارض وقد دمعت عيناه وأجابه بحسرة بانها ماتت قبل عشرة أيام …………

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.