جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

الصراع الروسي الأوكراني

0 48

الصراع الروسي الأوكراني

إعداد / محمد الزيدي

لا تزال فصول الصراع بين الجارتين روسيا وأوكرانيا قائمة منذ 2014 عندما احتلت موسكو القرم الأوكراني؛ حيث إن الصراع تجاوز التصادم في الأروقة السياسية والدبلوماسية إلى العسكرية. كما أن الدولتين على أهبة الاستعداد لخوض غمار أي معركة محتملة قد تنشب بينهما، ويظهر ذلك من خلال الحشود العسكرية الروسية بين الفينة والأخرى بعشرات آلاف الجنود على الحدود الأوكرانية، وإجراء تدريبات عسكرية تُحاكي غزوها إذا تطلب الأمر، بينما كييف تحشد حلفاءها الغربيين، وتستجلب منهم الأسلحة والدعم الدبلوماسي، وأيضاً تجري مناورات عسكرية، وآخرها التي تنفذها حالياً مع دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي من بينها الولايات المتحدة، في حين لا تزال التوترات متأججة إثر المعارك المشتعلة مع الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق البلاد.

روسيا لن تدع أوكرانيا تدور في فلك الغرب من دون قتال

هناك علاماتٌ مقلقة تنذر باحتمال شن روسيا هجوماً عسكرياً على أوكرانيا في وقت مبكر من الشتاء المقبل. لقد عززت موسكو قواتها بهدوء على طول الحدود الأوكرانية على مدى الأشهر الماضية، ما قد يكون مقدمة لعملية عسكرية ترمي إلى فتح ثغرة في الأزمة السياسية الأوكرانية إثر وصولها إلى طريق مسدود وترجيح كفتها. وعلى الرغم من احتمال أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتوسل من جديد بدبلوماسية الترهيب، يبدو أن موسكو قد لا تكون مخادِعة هذه المرة، أي قد لا تكتفي بعرض عضلاتها. فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُحتمل أن يتجدد الصراع على نطاق أوسع بكثير.

لكن لماذا يخاطر بوتين بإثارة اضطرابات جيوسياسية واقتصادية من خلال إعادة إشعال المواجهة العسكرية مع أوكرانيا؟

لا يخفى أنه يملك مصلحة وجيهة للاستثمار في الوضع الإقليمي الراهن. لقد ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، في واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الأراضي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ولم تتأثر روسيا كثيراً بالعقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الغزو، كما أن وضع الاقتصاد الكلي لروسيا مستقر. وتمسك موسكو أيضاً بإحكام على سوق الطاقة الأوروبية، حيث أنّ خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي سيعزز اعتماد ألمانيا على الغاز الطبيعي الروسي، يسير نحو التشغيل على الرغم من العقبات القانونية. في غضون ذلك، تجري الولايات المتحدة وروسيا محادثات حول الاستقرار الاستراتيجي، ولقد التقى بوتين بالرئيس الأميركي جو بايدن في يونيو في إطار الجهود أيضاً بإحكام على سوق الطاقة الأوروبية، حيث أنّ خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي سيعزز اعتماد ألمانيا على الغاز الطبيعي الروسي، يسير نحو التشغيل على الرغم من العقبات القانونية. في غضون ذلك، تجري الولايات المتحدة وروسيا محادثات حول الاستقرار الاستراتيجي .

مع ذلك وعلى مستوى أبعد، تتجه روسيا وأوكرانيا نحو إعادة إشعال هذا الصراع الذي لم يُحسم، ما قد يعيد رسم خريطة أوروبا مرة أخرى ويقلب جهود واشنطن لتحقيق الاستقرار في علاقتها مع روسيا. كان نفوذ موسكو السياسي يتضاءل عاماً بعد عام في أوكرانيا، واتخذت حكومة كييف موقفاً قوياً من المطالب الروسية العام الماضي، عندما رفضت المساومة من أجل العمل مع بوتين. ويبدو أن الدول الأوروبية قد دعمت موقف أوكرانيا، ووسعت كييف في الوقت نفسه تعاونها الأمني ​​مع خصوم روسيا من الأميركيين والأوروبيين.

ومع تزايد ثقة موسكو سياسياً واقتصادياً، فإن تحويل واشنطن اهتمامها ومواردها إلى المنافسة مع الصين ربما أقنع بوتين بأن أوكرانيا أصبحت ذات أهمية هامشية بالنسبة للولايات المتحدة. ولقد سبق أن أشار القادة الروس إلى أنهم سئموا الدبلوماسية ويجدون اندماج أوكرانيا المتزايد مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أمراً لا يمكن التسامح معه. لذا ترى موسكو أنّ الظروف مؤاتية والفرص سانحة لإعادة ضبط المعادلة بالقوة – ما لم تستطع موسكو وواشنطن وكييف التوصل إلى تسوية سلمية.

التحضير للحرب

لا يوحي موقف تلويح روسيا بالقوة بأن الغزو بات وشيكاً. من المحتمل جداً أنها لم تتخذ أي قرار سياسي بشن عملية عسكرية. ومع ذلك، فإن النشاط العسكري الروسي في الأشهر الأخيرة تجاوز دورة التدريب العادية، حيث تم جلب وحدات من آلاف الأميال إلى المنطقة العسكرية الغربية المتاخمة لأوكرانيا. كما أرسلت جيوشُ القوقاز وحدات إلى شبه جزيرة القرم. وهذه ليست أنشطة تدريب روتينية، بل هي محاولة لتهيئة وحدات ومعدات لعمل عسكري محتمل. علاوة على ذلك، يبدو أن العديد من الوحدات تتحرك ليلاً لتجنب رصدها بعناية، على عكس التحشيدات السابقة في مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

ويعتبر سيناريو اندلاع حرب أوسع محتملاً تماماً، وإذا حدث ذلك، فإن اختيار بوتين لتوسيع صراع محتدم لن يكون متسرعاً، ذلك أن تبعات أزمة أوكرانيا في 2014 لا تزال مشجعة على التصعيد أكثر من تجميد الصراع وتحويله إلى سلام غير مستدام.

ما الذي تغير خلال العام الماضي؟ أولاً، لم تسفر الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا عن حل سياسي يمكن لموسكو قبوله.

فبعد حملة انفتاح على الحوار في عام 2018، تراجع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل عام عن السعي للتوصل إلى حل وسطي مع روسيا، ما أنهى أي أمل لدى موسكو لتحقيق أهدافها عن طريق الانخراط الدبلوماسي. واليوم، لا ترى موسكو أي مخرج من العقوبات الغربية، بينما لا تزال المحادثات بين روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا بهدف حل الصراع في شرق أوكرانيا تراوح مكانها. ومع تعثر هذه الجهود السياسية والدبلوماسية، تعلم موسكو أن الجهود السابقة لاستخدام القوة قد آتت ثمارها.

الصراع بدأ يتطور بأشكال أخرى؛ إذ إن أوكرانيا، تتهم روسيا بالتدخل بشؤونها، وتنفيذ قلاقل في البلاد، وآخرها توجيه أصابع الاتهام لموسكو بمحاول الاغتيال التي نجا منها مساعد الرئيس الأوكراني الأول، سيرغي شيفير.

فزعيم رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «خادم الشعب» الحاكم في كييف، دافيد أراخاميا، رأى إمكانية وقوف روسيا وراء محاولة الاغتيال الفاشلة، بينما تعهد الرئيس فلاديمير زيلينسكي ب«الرد بقوة» على المحاولة، كما أعرب شيفير عن قناعته بأن «هدف العملية يكمن في إخافة أرفع قيادات الدولة»، في حين وضع رئيس الشرطة الوطنية الأوكرانية، إيغور كليمينكو، احتمالية تورط أجهزة استخبارات أجنبية في العملية، في تلميح واضح إلى موسكو

الصراع ليس ثنائياً كما يبدو، فمحاولات روسيا إخافة جارتها لا يستهدف أوكرانيا فقط، فالمقصود الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، فهذه الدول تدعم كييف إلى أبعد مدى في «وجه التغول الروسي» كما يقال، في وقت تسعى روسيا إلى قطع هذه العلاقة، والتضييق على جارتها، لمنع وصول الغرب إلى مجالها الحيوي ومنطقتها الجيوسياسية، كما يرفض «الدب» عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي؛ إذ تعد روسيا أي وجود للحلف في أوكرانيا أو البحر الأسود تهديداً لأمنها؛ لذا فإن الغرب يتريث في ضم أوكرانيا للناتو، تجنباً لمواجهة عسكرية محتملة مع روسيا، لكن في المقابل فإنه ضاعف من الضغط الدبلوماسي على موسكو، لإنهاء «تهديداتها» في المنطقة، لكن هذا الضغط حُدد بأطر لضمان تدفق الغاز الروسي إلى القارة العجوز عبر أوكرانيا.

ومما زاد تخوف روسيا، وما قد يدفعها إلى تحركات مضاعفة، هي تصريحات الجنرال الأوكراني فلاديسلاف كلوتشكوف خلال تدريبات؛ حيث قال: إن العسكريين الأوكرانيين الذين يحتوون منذ ثمانية أعوام الهجوم الروسي، سيتشاركون مع زملائهم الدوليين خبرتهم الفريدة المكتسبة من المعارك في دونباس،( المنطقة الواقعة في الشرق).

تبدو إدارة زيلينسكي أيضاً ضعيفة ويائسة بشكل متزايد لإيجاد دعم محلي. فهو لم يبذل ما يذكر للحد من الفساد أو لإبعاد أوكرانيا عن إرثها القديم والمديد المتمثل في حكم الأوليغارشية. وقد بلغت شعبيته في أكتوبر 2021، وفقاً لمعهد كييف الدولي لعلم الاجتماع، 24.7 في المئة. كما أوضح المسؤولون الروس أنهم لا يرون أي جدوى من التفاوض مع زيلينسكي، فأمضوا العام يعملون بنشاط لنزع المشروعية عن إدارته وتقويضها. وإذا استغنت موسكو حتى عن التظاهر بالانخراط الدبلوماسي، فإن ذلك يعتبر مؤشراً إلى أن احتمال استخدام القوة يتعاظم أكثر من أي وقت مضى.

في خضم هذا الوضع، لا يقل أهميةً موقفُ روسيا الداخلي والتطورات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً، حيث يبدو نظام بوتين آمناً في ظل قمع شديد للمعارضة. كما أعادت موسكو بناء وضعها المالي منذ بدء العقوبات الغربية في عام 2014 ولديها حالياً حوالى 620 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية. كما قد يكون لروسيا أيضاً نفوذ كبير على أوروبا هذا العام، بسبب ارتفاع أسعار الغاز ونقص إمدادات الطاقة. في غضون ذلك، لا تزال أوروبا غارقة في محنة ما بعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وتكافح لتحديد هدفها المتمثل في تحقيق “الحكم الذاتي الاستراتيجي”. من ناحيتها، تركز إدارة بايدن على الصين، ما يشير إلى أن مكانة روسيا متدنية في جدول أعمال واشنطن وأن أوروبا ليست أولوية سياسية عُليا. لذا فإن أوكرانيا تمثل مصلحة ثانوية داخل مسرح ثانوي.

هناك علاماتٌ مقلقة تنذر باحتمال شن روسيا هجوماً عسكرياً على أوكرانيا في وقت مبكر من الشتاء المقبل. لقد عززت موسكو قواتها بهدوء على طول الحدود الأوكرانية على مدى الأشهر الماضية، ما قد يكون مقدمة لعملية عسكرية ترمي إلى فتح ثغرة في الأزمة السياسية الأوكرانية إثر وصولها إلى طريق مسدود وترجيح كفتها. وعلى الرغم من احتمال أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتوسل من جديد بدبلوماسية الترهيب، يبدو أن موسكو قد لا تكون مخادِعة هذه المرة، أي قد لا تكتفي بعرض عضلاتها. فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، يُحتمل أن يتجدد الصراع على نطاق أوسع بكثير.

مع ذلك وعلى مستوى أبعد، تتجه روسيا وأوكرانيا نحو إعادة إشعال هذا الصراع الذي لم يُحسم، ما قد يعيد رسم خريطة أوروبا مرة أخرى ويقلب جهود واشنطن لتحقيق الاستقرار في علاقتها مع روسيا. كان نفوذ موسكو السياسي يتضاءل عاماً بعد عام في أوكرانيا، واتخذت حكومة كييف موقفاً قوياً من المطالب الروسية العام الماضي، عندما رفضت المساومة من أجل العمل مع بوتين. ويبدو أن الدول الأوروبية قد دعمت موقف أوكرانيا، ووسعت كييف في الوقت نفسه تعاونها الأمني ​​مع خصوم روسيا من الأميركيين والأوروبيين.

ومع تزايد ثقة موسكو سياسياً واقتصادياً، فإن تحويل واشنطن اهتمامها ومواردها إلى المنافسة مع الصين ربما أقنع بوتين بأن أوكرانيا أصبحت ذات أهمية هامشية بالنسبة للولايات المتحدة. ولقد سبق أن أشار القادة الروس إلى أنهم سئموا الدبلوماسية ويجدون اندماج أوكرانيا المتزايد مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أمراً لا يمكن التسامح معه. لذا ترى موسكو أنّ الظروف مؤاتية والفرص سانحة لإعادة ضبط المعادلة بالقوة – ما لم تستطع موسكو وواشنطن وكييف التوصل إلى تسوية سلمية.

التحضير للحرب

لا يوحي موقف تلويح روسيا بالقوة بأن الغزو بات وشيكاً. من المحتمل جداً أنها لم تتخذ أي قرار سياسي بشن عملية عسكرية. ومع ذلك، فإن النشاط العسكري الروسي في الأشهر الأخيرة تجاوز دورة التدريب العادية، حيث تم جلب وحدات من آلاف الأميال إلى المنطقة العسكرية الغربية المتاخمة لأوكرانيا. كما أرسلت جيوشُ القوقاز وحدات إلى شبه جزيرة القرم. وهذه ليست أنشطة تدريب روتينية، بل هي محاولة لتهيئة وحدات ومعدات لعمل عسكري محتمل. علاوة على ذلك، يبدو أن العديد من الوحدات تتحرك ليلاً لتجنب رصدها بعناية، على عكس التحشيدات السابقة في مارس (آذار) وأبريل (نيسان).

ويعتبر سيناريو اندلاع حرب أوسع محتملاً تماماً، وإذا حدث ذلك، فإن اختيار بوتين لتوسيع صراع محتدم لن يكون متسرعاً، ذلك أن تبعات أزمة أوكرانيا في 2014 لا تزال مشجعة على التصعيد أكثر من تجميد الصراع وتحويله إلى سلام غير مستدام.

ما الذي تغير خلال العام الماضي؟ أولاً، لم تسفر الاستراتيجية الروسية في أوكرانيا عن حل سياسي يمكن لموسكو قبوله. فبعد حملة انفتاح على الحوار في عام 2018، تراجع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل عام عن السعي للتوصل إلى حل وسطي مع روسيا، ما أنهى أي أمل لدى موسكو لتحقيق أهدافها عن طريق الانخراط الدبلوماسي. واليوم، لا ترى موسكو أي مخرج من العقوبات الغربية، بينما لا تزال المحادثات بين روسيا وأوكرانيا وألمانيا وفرنسا بهدف حل الصراع في شرق أوكرانيا تراوح مكانها. ومع تعثر هذه الجهود السياسية والدبلوماسية، تعلم موسكو أن الجهود السابقة لاستخدام القوة قد آتت ثمارها.

في غضون ذلك، تعمل أوكرانيا على توسيع شراكاتها مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول الناتو الأخرى. في هذا الصدد، قدمت الولايات المتحدة إلى أوكرانيا مساعدات عسكرية، فيما يساهم الناتو في تدريب الجيش الأوكراني. وتشكل هذه العلاقات شوكة في خاصرة موسكو، التي تحولت ببطء من اعتبار عضوية أوكرانيا في الناتو بمثابة خط أحمر إلى معارضة التعاون الدفاعي البنيوي المتعاظم بين أوكرانيا وخصومها الغربيين. من وجهة نظر الكرملين، إذا كانت الأراضي الأوكرانية ستصبح أداة في خدمة الولايات المتحدة ضد روسيا، وكان الجيش الروسي قادراً على فعل شيء حيال ذلك، فإن استخدام القوة يعد خياراً ممكناً وغير مستبعد.

قد يكون لروسيا نفوذ على أوروبا، بسبب ارتفاع أسعار الغاز

تبدو إدارة زيلينسكي أيضاً ضعيفة ويائسة بشكل متزايد لإيجاد دعم محلي. فهو لم يبذل ما يذكر للحد من الفساد أو لإبعاد أوكرانيا عن إرثها القديم والمديد المتمثل في حكم الأوليغارشية. وقد بلغت شعبيته في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وفقاً لمعهد كييف الدولي لعلم الاجتماع، 24.7 في المئة. كما أوضح المسؤولون الروس أنهم لا يرون أي جدوى من التفاوض مع زيلينسكي، فأمضوا العام يعملون بنشاط لنزع المشروعية عن إدارته وتقويضها. وإذا استغنت موسكو حتى عن التظاهر بالانخراط الدبلوماسي، فإن ذلك يعتبر مؤشراً إلى أن احتمال استخدام القوة يتعاظم أكثر من أي وقت مضى.

في خضم هذا الوضع، لا يقل أهميةً موقفُ روسيا الداخلي والتطورات الجيوسياسية الأوسع نطاقاً، حيث يبدو نظام بوتين آمناً في ظل قمع شديد للمعارضة. كما أعادت موسكو بناء وضعها المالي منذ بدء العقوبات الغربية في عام 2014 ولديها حالياً حوالى 620 مليار دولار من احتياطيات العملات الأجنبية. كما قد يكون لروسيا أيضاً نفوذ كبير على أوروبا هذا العام، بسبب ارتفاع أسعار الغاز ونقص إمدادات الطاقة. في غضون ذلك، لا تزال أوروبا غارقة في محنة ما بعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وتكافح لتحديد هدفها المتمثل في تحقيق “الحكم الذاتي الاستراتيجي”. من ناحيتها، تركز إدارة بايدن على الصين، ما يشير إلى أن مكانة روسيا متدنية في جدول أعمال واشنطن وأن أوروبا ليست أولوية سياسية عُليا. لذا فإن أوكرانيا تمثل مصلحة ثانوية داخل مسرح ثانوي.

على مدار العام الماضي، استخدمت القيادة الروسية خطاباً شديد النبرة، لافتة الانتباه إلى خطوطها الحمراء في أوكرانيا. لكن موسكو لا تعتقد أن واشنطن تأخذ تحذيراتها على محمل الجد. ففي أكتوبر 2021، أشار بوتين إلى أنه على الرغم من احتمال عدم منح أوكرانيا رسمياً عضوية الناتو، إلا أن “التمدد العسكري في أراضيها جار بالفعل. وهذا يمثل تهديداً حقيقياً لروسيا”.

ثمة شك في أن تكون هذه عبارة عن كلمات جوفاء. فالقيادة الروسية لا ترى أي احتمال لحل دبلوماسي وتعتقد أن أوكرانيا تنجرف إلى الفلك الأمني ​​للولايات المتحدة، ولهذا السبب قد ترى الحرب حتمية. لا يعتقد القادة الروس أن استخدام القوة سيكون سهلاً أو من دون ثمن – لكنهم يرون أن أوكرانيا تسير في مسار غير مقبول وأن خياراتهم محدودة لاستعادة الوضع السياسي السابق. وربما استنتجوا أيضاً أن اللجوء إلى الخيارات العسكرية سيكون أقل تكلفة الآن مما سيكون عليه في المستقبل.

انسداد آفاق الدبلوماسية

حققت روسيا نصراً غريباً خلال هجومها العسكري في أوكرانيا بين عامي 2014 و2015، وفرضت على أوكرانيا اتفاقيات وقف إطلاق نار غير مواتية. منذ ذلك الحين تحسّنت أحوال الجيش الأوكراني إلى حد كبير، لكن تحسّنت كذلك قدرات الجيش الروسي. ويظل هامش التفوق الكمي والنوعي الروسي كبيراً. ومع ذلك، لم يُترجم نجاح روسيا في ساحة المعركة إلى نجاح دبلوماسي في عام 2014 أو بعد ذلك. وانبثقت اتفاقية من الحرب سميت “بروتوكول مينسك” نسبة إلى المدينة التي جرى فيها التفاوض عليها. ولقد تبيّن أنها تسوية خاسرة لجميع الأطراف، حيث لم تسترجع أوكرانيا سيادتها على أراضيها، وفشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، الذين تجنبوا صراعاً متصاعداً محتملاً مع قوة نووية في إجبار روسيا على الانسحاب من خلال العقوبات. كما أن النفوذ الروسي على أوكرانيا – بصرف النظر عن الأراضي التي ضمتها أو غزتها – آخذ في التقلص بشكل منتظم منذ عام 2015.

في عام 2014، وقعت أوكرانيا اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، والتي جعلتها تحت لواء القوانين الأوروبية، وهي النتيجة التي كانت روسيا تحاول الحؤول دونها. كما واصلت كييف الضغط من أجل الحصول على عضوية الناتو. وعلى الرغم من غياب أي احتمال مباشر لانضمامها إلى الحلف، إلا أن تعاونها الدفاعي مع أعضاء الناتو قد تعمق. علاوة على ذلك، قام زيلينسكي – الذي تعهد في حملته الانتخابية بالتفاوض مع موسكو وحاول بعض الشيء الانخراط معها دبلوماسياً بعد توليه المنصب – بالتراجع عن مساره في عام 2020، فأغلق محطات التلفزيون الموالية لروسيا واتخذ موقفاً متشدداً بشأن المطالب الروسية. ولقد وضعت إدارة زيلينسكي أوكرانيا على طريق “التكامل الأوروبي الأطلسي”، وهي العبارة التي يستخدمها الدبلوماسيون الأميركيون باستمرار لوصف التوجه الاستراتيجي الأوكراني – أي الطريق الذي يُبعدها عن روسيا

الصراع سيبقى محتدماً ما بين شد وجذب، وسيكون مسار العلاقات بين الدولتين مرهوناً بمدى تقارب الغرب مع موسكو، فإذا كانت ثمة نية لتخفيف حدة التوترات، فإن ذلك سينعكس على المنطقة، وإذا كان العكس فإن الأمور ستبقى تتأجج، وعندها قد تخرج الأمور عن السيطرة إلى تصادم عسكري الكل فيه خاسر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.