جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

الدكروري يكتب عن حياة الرسول الكريم ” بقلم / محمـــد الدكـــروري

0 17

الدكروري يكتب عن حياة الرسول الكريم ”
بقلم / محمـــد الدكـــروري

ونحن نعيش في زمان ندرت فيه صفة الرحمه والرأفة فيجب علينا أن ننظر إلي حياة صلى الله عليه وسلم في التعامل حتي مع الحيوان، فقد تجاوزت إنسانيته صلى الله عليه وسلم ذلك كله إلى الحيوان والبهيمة، فيروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه فأتاه صلى الله عليه وسلم فمسح ظفراه فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم “من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال “أفلا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه” رواه أبو داود، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي وعنده الأقرع بن حابس فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه فقال “من لا يرحم لا يرحم”

وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أو أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة” وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأمامة ابنة ابنته زينب رضي الله عنها، يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها فجعلها على عاتقه، وعن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب زينب بنت أم سلمة “ربيبته” ويقول “يا زوينب، يا زوينب” مرارا، ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مغتسله فنضح الماء في وجهها يداعبها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير فكان ماء الشباب ثابتا في وجهها ظاهرا في رونقها وهي عجوز كبيرة، وكان صلى الله عليه وسلم يصف عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب وكثير بن العباس ثم يقول “من سبق إلي فله كذا وكذا” قال فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم.

أي يحتضنهم وكان يرق لحال الأطفال، ويشفق عليهم، وهز كيانه كله بكاء طفل إذ يشعر في وجدانه بألم الأم وعذابها، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به” ومن معالم إنسانيته الرائعة صلى الله عليه وسلم أنه رغم خلافه مع قومه وظلمهم له، وتعديهم عليه، وتآمرهم بالقتل والإبعاد والتحريض إلا أنه لم يضق صدره بهم ذرعا، ودعا عليهم بل كان يفتح يديه، ويبتهل إلى ربه قائلا “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” وكاد أن يهلك نفسه من الحسرة والألم وكثرة الفكر، وطول الهم، وبذل الجهد عله أن ينقذ حياتهم من الكفر وآخرتهم من النار، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت لما كذب الرسول صلى الله عليه وسلم قومه، أتاه جبريل عليه السلام فقال إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.

فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال مرني بما شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال صلى الله عليه وسلم “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا” فما رأت الدنيا إنسانا يملك أدوات القوة، وأسباب العقوبة، وموجبات الأخذ والتنكيل ثم يترفع عن الثأر ويعلو فوق حظوظ النفس مثل النبى محمد صلى الله عليه وسلم، كان يحلم بأعدائه، ويصبر على من أساء إليه بل كان تزيده الإساءة إحسانا وعفوا وكرما، وقيل جاء زيد بن سعنة اليهودي يتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم دينا كان عليه فجذب ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال إنكم يا بني المطلب مطل فانتهره عمر، وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ثم قال إنا وهو كنا إلى غير ذلك أحوج منك يا عمر، تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن القضاء ثم قال له لقد بقي من أجله ثلاث، ثم أمر عمر أن يقضيه ماله، ويزيده عشرين لما روّعه.

فكان ذلك سبب إسلام زيد رضي الله عنه، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المشركين رحمة لهم ولطفا بهم، ووقاية من سخط الله ونقمته، فقد عصمهم الله من الاستئصال الجماعي به، فقال تعالى فى سورة الأنفال ” وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون” ولم يحمل النبي صلى الله عليه وسلم لأحد في نفسه كيدا، ولم يُكنّ له حقدا، ورغم دعوته المجابة لم يرفع يده يطلب من ربه أن يلعن فلانا ويطرده من رحاب فضله أو ينزل البلاء والنقم على الناس، فدعوته ووجوده في ذاته رحمة للعالمين، ويقول صلى الله عليه وسلم “إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة” وكانت حركة النفاق تشتد، ويظهر من المنافقين نزغات بين الحين والآخر، وكلما انتصرت للإسلام كلمة، وعلت له راية، وامتد نوره في الآفاق كلما غلت براكين الحقد الأسود في نفوس هؤلاء، واندفعوا للكيد والتآمر لا يلوون على شيء.

ولا يبقون على ود، ولا يقدرون حرمة الدين والرحم حتى إنهم نالوا من عرض النبي صلى الله عليه وسلم، وجمح بهم نفاقهم إلى حد محاولة قتله والقضاء عليه، ما جعلهم أهلا للفضح والثأر والحكم عليهم بالكفر، ومع ذلك ترفع النبي صلى الله عليه وسلم بإنسانيته أن يفضحهم، ويفشي أسرار نفاقهم وأبقاهم بين المؤمنين، وعندما عرض عليه أحد أصحابه أن يقتل عبد الله بن أبي زعيم المنافقين قال “لا حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه” فلقد صارت إنسانيته بأعدائه وشفقته بخصومه مفتاحا فضّ به أقفالا صدئة، وفتح به أبوابا موصدة، وكان صلى الله عليه وسلم يعتبر الحيوان كيانا معتبرا ذا روح يحس بالجوع ويشعر بالعطش، ويتألم بالمرض والتعب، ويدركه ما يدرك الإنسان من أعراض الجسد، لذا رأيناه صلى الله عليه وسلم تتألم نفسه ويرق قلبه لحيوان عضه الجوع ونال منه الجهد، فعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال.

مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير قد لصق ظهره ببطنه فقال “اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة” ولقد وسعت شفقته فراخ طائر وأبت أن يفرق بينهم، فيقول عبد الله بن عمر كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال “من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها” وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في “منى” خرجت حية فأسرع بعض أصحابه لقتلها غير أنها استطاعت أن تنسل بين شقوق الصخور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يراقب المنظر عن بعد “وقاها الله شركم، ووقاكم شرها” فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى في ما همّ به الصحابة شرا، والمقتول وإن كان حية إلا أن لها مكانا في هذه الدنيا، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نصير كل حيوان أعتدي عليه.

وأهمل في حقه فكان أول من أسس جماعة للرفق بالحيوان والدفاع عنه والانتصاف من ظالمه، يروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام بين يديه فذرفت عيناه، فقال رسول الله “من صاحب هذا البعير؟” قالوا فلان، فقال “ادعوه” فأتوا به فقال له رسول الله “يشكوك” فقال يا رسول الله هذا البعير كنا نسنوا عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره، فقال رسول الله “شكى ذلك، بئس ما جازيتموه، استعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه” قالوا بل هو لك يا رسول الله فأمر به رسول الله فوجهه نحو الظهر “أي الإبل” ويروي ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا اضجع شاة يريد أن يذبحها وهو يحد شفرته فقال النبي صلى الله عليه وسلم “هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟” إنه ينهى أن تحد الشفرة أمام الذبيحة.

فإن في هذا الانتظار إيلام لمشاعرها وتعذيب لها، ما أحلمك يا رسول الله، وما أعظم شفقتك، وأروع إنسانيتك، ألا فلتقتدي بك البشرية الحائرة والإنسانية المعذبة، ألا ما أسفه من أرادك بسوء، وأحقر من تجرأ على مقامك العظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.