جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

الدكروري يكتب عن إنسانية ورفق النبي

0 14

الدكروري يكتب عن إنسانية ورفق النبي


بقلم / محمـــد الدكـــروري

عليكم بالإنسانية والرفق واللين والرحمة بجميع فئات المجتمع، الآباء والصبيان والأرامل والعجزة والأجراء وغير ذلك، فإننا نرى في النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الحاني الرحيم، الذي لا تفلت من قلبه الذكي شاردة من آلام الناس وآمالهم إلا لباها و رعاها، وأعطاها من ذات نفسه كل اهتمام وتأييد، نرى فيه الإنسان الذي يكتب إلى ملوك الأرض طالبا إليهم أن ينبذوا غرورهم الباطل، ثم يصغي في حفاوة ورضى إلى أعرابي حافي القدمين يقول في جهالة “اعدل يا محمد، فليس المال مالك، ولا مال أبيك ” ونرى فيه العابد الأواب الذي يقف في صلاته، يتلو سورة طويلة من القرآن في انتشاء وغبطة لا يقايض عليها بملء الأرض تيجانا وذهبا، ثم لا يلبث أن يسمع بكاء طفل رضيع كانت أمه تصلي خلفه في المسجد فيضحي بغبطته الكبرى، وحبوره الجياش، وينهي صلاته على عجل رحمة بالرضيع الذي كان يبكي، وينادي أمه ببكائه.

ونرى فيه الإنسان الذي وقف أمامه جميع الذين شنوا عليه الحرب والبغضاء، وقفوا أمامه صاغرين، ومثلوا بجثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب، ومضغوا كبده في وحشية ضارية، فيقول لهم، وهو قادر على أن يهلكهم اذهبوا فأنتم الطلقاء” ونرى فيه صلى الله عليه وسلم الإنسان الذي يجمع الحطب لأصحابه في بعض أسفارهم، ليستوقدوه نارا تنضج لهم الطعام، ويرفض أن يتميز عليهم، ونرى فيه الإنسان الذي يرتجف حين يبصر دابة تحمل على ظهرها أكثر مما تطيق، ونرى فيه الإنسان الذي يحلب شاته، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله، ونرى فيه الإنسان، وهو في أعلى درجات قوته، يقف بين الناس خطيبا فيقول “من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه” فكان صلى الله عليه وسلم يحمل عن العجوز، وإن كانت كافرة به ولم تكن تعرفه حتى إذا أوصلها لبيتها حذرته من اتباع من يدّعي النبوة، فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه محمد بن عبدالله.

وكان إذا ذبح شاة وأمر بتوزيع جزء منها على الجيران، لا ينسى أن يوصي “هل أهديتم إلى جارنا اليهودي؟” وتروي كتب السّير أنه صلى الله عليه وسلم بكى لما رأى جنازة مشرك، ولما سُئل عن سبب بكائه صلى الله عليه وسلم، قال “نفس تفلتت مني إلى النار” وتبلغ رحمته صلى الله عليه وسلم بأعدائه القمة السامقة عندما يتعرّض لإيذائهم، ففي هذه المواطن التي يفقد فيها الرحماء رحمتهم، عندما تعرّض للسباب والضرب من أهل الطائف، ونزل ملك الجبال في صُحبة أمين الوحى جبريل عليه السلام يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُطبق عليهم الأخشبين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة “اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون” وفي هذا القول جمع النبي صلى الله عليه وسلم مقامات الإحسان كلها، فقد عفا عنهم، والتمس لهم العذر بجهلهم، ثم دعا لهم ولم يكن هذا موقفا فريدا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان هذا خلقه مع من خالفه وحاربه.

كما في قوله صلى الله عليه وسلم “اللهم اهدى دوسا، اللهم اهدى ثقيفا، اللهم اهدى أم أبي هريرة” ثم تجلت رحمته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وقد فعل أهلها به وبأصحابه ما فعلوا، فقال عمر لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أرسل إلى صفوان بن أمية، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال، عمر فقلت لقد أمكن الله منهم، لأعرفنهم بما صنعوا، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته كما جاء فى سورة يوسف ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين” وقال عمر رضى الله عنه فافتضحت حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية أن يكون بدَر مني، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، ولقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم بفضل ربه عز وجل أن يؤسس أعظم دولة عرفها التاريخ حيث أخرج للوجود أمة، ومكن لعبادة الله تعالى في الأرض.

ووضع أسس العدالة الاجتماعية، وحوّل جيلا كاملا من رعاة للبقر إلى قادة للأمم، استطاع بفضل الله تعالى أن يخرج للعالم كله المواهب والعبقريات العظيمة من أمثال عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وحوّلهم من جيل لا يعرف إلا الفوضى إلى جيل يعرف النظام والعدل، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض، يرحمكم من في السماء” رواه أبو داود، وقال الطيبي أتى بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق، فيرحم البر والفاجر، والناطق، والبُهم، والوحوش والطير، وعن عمرو بن حبيب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “خاب عبد وخسر، لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر” وعن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم” قالوا يا رسول الله، كلنا رحيم.

قال “ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته، حتى يرحم الناس” وإن من أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة، وتيسر للإنسان طريقها قراءة كتاب الله جل جلاله، قال العلماء إن الرحمة لا تدخل إلى قلب قاس، والقلوب لا تلين إلا بكلام الله، ولا تنكسر إلا بوعد الله ووعيده، وتخويفه وتهديده، فمن أكثر تلاوة القرآن، وأكثر من تدبر القرآن، كسر الله قلبه، ودخلت فيه الرحمة، كذلك من الأسباب التي تعين على رحمة الضعفاء تذكر الآخرة فإن العبد إذا تذكر مشاهد الآخرة، وصور نفسه كأنه قائم بين يدي الله تجادل عنه حسنته، ويقف بين يدي الله عز وجل وقد نشر له ديوانه، وبدت له أقواله وأفعاله، إذا تصور مثل هذه المواقف، قادته إلى الله، وحببت إلى قلبه الخير، وجعلت أشجانه وأحزانه كلها في طاعة الله ومرضاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.