جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

الخطأ الفادح .. رسالة من بريد الجمعة

0 34

الخطأ الفادح .. رسالة من بريد الجمعة

من أرشيف بريد الأهرام للكاتب عبد الوهاب مطاوع (رحمه الله)


أنا مصري أعمل بشركة بإحدي الدول العربية‏,‏ وقد شاءت لي أقداري أن أشهد عن قرب وقائع قصة آمل في أن تساعدني علي تدارك بعض آثارها الأليمة‏,‏ فلقد وجدت في موقع العمل الذي التحقت به منذ حوالي العام ونصف العام زميلا قديما عرفت من ظروفه أنه كان متزوجا من إحدي قريباته وأنجب منها ثلاث بنات

ثم تم الطلاق بينهما وانفصل عن زوجته‏,‏ وجاء للعمل في هذا البلد العربي‏.‏ وبعد عام من غربته رجع إلي مصر في زيارة وتزوج من أخري تبين فيما بعد أنها كانت المسئولة عن انهيار حياته الزوجية الأولي‏,‏ ورجع بها إلي مقر عمله‏..‏ في حين بقيت البنات الثلاث في رعاية الأم التي تعمل بوظيفة صغيرة‏.‏

ويبدو أن مطلقة هذا الزميل قد ضاقت بعد ست سنوات من انفرادها برعاية البنات ببخل مطلقها عليهن‏..‏ فتنازلت له عن حضانتهن وطلبت منه أن يتكفل بهن‏..‏ واضطر الرجل للعودة لمصر وإحضار بناته للإقامة مع زوجته الجديدة وطفلهما الصغير‏..‏ أما الأم فقد تقدم لها إنسان مناسب ووجدت من حقها بعد كل هذه السنوات أن تكون لها حياتها فتزوجت‏.‏

وبعد حوالي ثلاثة أشهر فقط من ضم الأب لبناته الثلاث إليه فوجئت في أحد الأيام بهذا الزميل يتصل بي في الساعة السادسة صباحا ليستنجد بي لأن طفلته التي تبلغ من العمر‏7‏ سنوات في حالة سيئة ولا يعرف ماذا يفعل‏,‏ وبالرغم من استجابتي الفورية للذهاب إليه فلقد تعجبت لماذا لم يستنجد بزملائه المقيمين إلي جواره مباشرة بدلا من ضياع الوقت الذي يستغرقه حضوري من سكني علي بعد ‏15‏ كيلو مترا

ولكني كتمت تساؤلي وتوجهت إليه وفي البيت استقبلني هذا الزميل وزوجته في وجوم‏ ..‏ ولا أغالي إذا قلت أيضا في برود ‏..‏ وقادني إلي طفلته‏..‏ فلم أكد ألقي عليها النظرة الأولي حتي أدركت علي الفور أنها في رحاب الله‏.‏

وطلبت منه التوجه معي إلي الشرطة لإبلاغها بالأمر ‏..‏ لكنه طلب أن نتوجه بها للمستشفي أولا عسي أن يكون هناك أمل في إسعافها‏.‏ و استجبت لرغبته وحملنا الطفلة إلي المستشفي فلم يكد يراها الطبيب حتي تساءل باستنكار عما دعا الأب لأن يتأخر في إحضارها إلي هذا الحد ‏..‏ وسأله عما حدث ‏..‏

فروي الرجل ان طفلته قد سقطت من فوق السلم المتحرك في إحدى الأسواق التجارية الكبرى في مساء اليوم السابق وانها بكت بعض الوقت ثم لم تشك شيئا بعد ذلك فرجعوا بها إلي البيت قرب منتصف الليل واستسلمت للنوم في هدوء وفي الثالثة صباحا استيقظ من نومه ودخل غرفتها فوجدها بين الحياة والموت ولم يقتنع الطبيب بالقصة التي سمعها من الأب‏..‏

وتعجب لماذا انتظر من الثالثة حتي السادسة صباحا لكي يتصل بأحد زملائه ويطلب عونه بدلا من أن يهرول بها علي الفور إلي أقرب مستشفي وتم إبلاغ الشرطة ‏..‏ وانخرط الأب في البكاء والعويل ‏..‏ وانتهي الأمر بحفظ التحقيق وتشييع الطفلة إلي مثواها الأخير‏.‏

وتراوحت مشاعري أنا بين الشك في هذا الأب‏..‏ وبين الرثاء له‏..‏ ثم شغلتني هموم الحياة عن القصة كلها‏..‏ فإذا بتطور جديد يطرأ عليها‏,‏ ذلك ان إدارة المدرسة التي تدرس بها الابنة الكبري قد لاحظت مجيئها إليها أكثر من مرة وفي وجهها آثار كدمات وبقع زرقاء‏,‏ فبدأت تسألها عن هذه الآثار وبعد شيء من الضغط عليها إذ بالابنة التي تدرس بالصف الأول الثاني تنفجر وتروي لإدارة المدرسة ان أباها يضربها كثيرا وبوحشية هي وأختها بتحريض من زوجته‏..‏

وأن أختها الصغري التي ووريت الثري منذ بضعة شهور لم تسقط من فوق السلم المتحرك كما زعم أبوها في روايته‏.‏ وروت التفاصيل المؤلمة فقالت إن أباها قد ضرب طفلته الصغيرة بقسوة شديدة عقابا لها علي خطأ فادح ارتكبته‏..‏

وان الطفلة كانت تجري منه في الغرف خلال ضربه لها فاستثار ذلك حمقه وغيظه فأمسك بها ورفعها إلي فوق مستوي رأسه ثم ألقاها علي الأرض بقوة‏,‏ وسقطت الطفلة تولول ثم نهضت لتجري فلم يكتف بذلك وإنما أعاد للإمساك بها من جديد وهي تصرخ وتولول وتستعطف أباها وترجوه وتقسم له قائلة حرمت يابابا والله حرمت يابابا فلم يعفها ذلك من وحشيته ورفعها إلي مافوق رأسه مرة ثانية وألقاها علي الأرض بنفس القوة‏,‏

فازدادات صراخا وبكاء واستعطافا‏..‏ فلم يرق لها قلبه وأمسك بها للمرة الثالثة وألقاها علي الأرض من نفس الارتفاع فلم تنهض الطفلة من الأرض هذه المرة وإنما راحت في إغماءة أو غيبوبة‏..‏ وحل الصمت الكئيب علي المكان‏..‏ والأختان تشهدان هذا الموقف الرهيب خائفتين باكيتين صامتتين عاجزتين عن كل شيء‏..‏

فيحمل الرجل وزوجته الطفلة ويلقيان بها في البانيو ويفتحان عليها المياه لكي تفيق من إغماءتها فلا تفيق‏,‏ فيحملانها إلي الفراش ويدعانها فيه تتشنج من حين لآخر وتقاوم المصير المحتوم إلي أن تلفظ أنفاسها الأخيرة شاكية إلي ربها مالقيته من ظلم‏.‏

والأعجب من ذلك ان الأب قد تركها تقاوم مصيرها من السابعة مساء حتي أذن الله لروحها الطاهرة بأن تهدأ إلي جواره في حوالي الساعة الثالثة صباحا‏,‏ وهنا فقط أدرك خطورة الموقف وخشي أن يستنجد بزملائه في العمل المقيمين إلي جواره لإطلاعهم بحكم الجوار علي سوء معاملته لبناته وضربه لهن وخاصة للطفلة الصغري بسبب مشاكساتها المستمرة مع أخيها الأصغر فأراد أن يستشهد علي أمره زميلا آخر لا يعرف من سيرته الكثير‏..‏

فكنت لسوء الحظ هذا الزميل‏,‏ أما الخطأ الفادح الذي أرتكبته هذه الطفلة المسكينة ولقيت عليه هذا العقاب الوحشي فهو أنها قد تجرأت ودخلت الحمام لتقضي حاجتها في غير الموعد المحدد لها من زوجة الأب وبذلك فقد خرقت النظام الموضوع للبيت واستحقت العقاب‏.‏

ولأن الله سبحانه وتعالي قد يمهل لكنه أبدا لا يهمل فقد أخذت الأمور بعد ذلك مجراها العادل‏..‏ وأيدت الابنة الأخري ماقالته أختها وتم القبض علي الزميل والتحقيق معه واعترفت زوجته عليه وثبتت التهمة عليهما معا وأودعا السجن منذ أسابيع وبقيت الفتاتان بلا عائل أو مأوي لبعض الوقت حتي تمت إعادتهما للقاهرة‏.‏

واستقبلتهما أمهما المتزوجة والتي أنجبت حديثا طفلا‏,‏ لكنه يصعب عليها إيواؤهما في ظروفها الحالية‏,‏ فهي تعيش في مسكن صغير من غرفتين تقيم مع زوجها وطفلها في غرفة منه وتقيم في الأخري والدة الزوج وأخته‏,‏ لذلك فلا بديل عن توفير مسكن متواضع لهاتين البنتين في الحي الشعبي الذي تقيم فيه الأم‏,‏ بالاضافة إلي توفير مورد لهما ومايقلقني ويؤلمني هو مصير هاتين الفتاتين‏..‏

ذلك ان بعض الزملاء هنا في العمل كانوا قد اتفقوا في قمة التأثر بالمأساة علي مساعدتهما وجمع مبلغ شهري وإرساله لهما‏..‏ إلا أن هذه الرغبة قد بدأت تخبو تدريجيا مع مرور الأيام وبرر البعض ذلك بأن كلا منهم له مشاكله ولديه من الأهل الأقربين من هو أكثر استحقاقا لهذه المساعدة‏.‏ فهل نجد بين قرائك من هم أكثر رغبة في مساعدة هاتين الفتاتين وإنقاذهما من الضياع إلي أن يتمكنا من النهوض بأمرهما ؟

ولكاتبة هــذه الرسـالة أقــــول (رد الكاتب عبد الوهاب مطاوع) :


ياإلهي‏..‏ لكم تقسو الحياة أحيانا علي بعض النفوس البريئة‏!‏ أتوءد طفلة صغيرة في السابعة من عمرها لأنها خالفت نظام البيت ودخلت الحمام في غير الموعد المخصص لها لقضاء حاجة ألحت عليها ولا تعترف بالأنظمة أو المواعيد‏!‏ ومن أي حجر أصم قد قلب هذا الأب الوحشي فلم يرق لهذه الطفلة الضعيفة وهي تستعطفه وترجوه وتقسم له صادقة أنها لن ترجع أبدا إلي ارتكاب مثل هذا الخطأ الفادح‏ !‏

وأين كانت أبوته ورحمته وإنسانيته وهو يرفع طفلته الصغيرة إلى مافوق مستوي رأسه ويلقي بها علي الأرض بقوة‏..‏ فإذا نهضت صارخة باكية وجرت محاولة النجاة من مخالبه‏,‏ طاردها بإصرار كما يطارد الصائد فريسته ورفعها من جديد وقذفها إلي الأرض من كل مرة ثانية وثالثة بين عويل الطفلة الضحية‏..‏ ونحيب الفتاتين الخائفتين إلي جواره ؟

وبماذا شعر هو بعد أن حقق هذا الانتصار العظيم علي هذه الطفلة الضعيفة ونجح في اقتناصها‏..‏ ومنعها من الفرار‏..‏ وتنفيذ حكمه الجائر فيها ؟ وماذا سيقول حين يقف أمام رب العرش يوم العرض العظيم “وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت”

لقد روي لنا الأثر أن رجلا إعرابيا قد حكي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه كيف وأد ابنته في الجاهلية‏..‏ فبكي رسول الله تأثرا بما سمع وإشفاقا علي هذه الموءودة التي لم يعرفها ولم تربطه بها صلة دم ولا نسب‏,‏ حتي نهر الجالسون الرجل وصاحوا فيه‏:‏ أحزنت رسول الله‏,‏ فنهاهم الرسول الكريم وطالب الرجل بأن يعيد عليه روايته فأعادها وبكي الرسول من جديد حتي نزل دمعه علي لحيته‏.‏

فأي فارق في القلوب‏..‏ وأين دمع الرحمة الذي يميز الإنسان من الجماد في مثل هذه المواقف الموجعة ؟

وأي عقاب يمكن أن يشفي القلب من وجده علي مثل هذا الأب القاتل ؟ وأي مفارقة تستحق التأمل حين تسخو الأقدار علي بعض الآباء بنعمة الأبناء فلا يحفظونها ولا يعرفون لها قدرها ويحيلون حياة أبنائهم إلي جحيم كما فعل مثل هذا الأب الذي لا يستحق لقب الأبوة‏..‏ في الوقت الذي يتلهف فيه غيرهم من البشر المحرومين علي من يرجون ان يفيضوا عليهم برحمتهم وحنانهم ورعايتهم إلي آخر العمر‏.‏

لقد أحسنت سلطات تلك الدولة العربية صنعا حين سجنت مع هذا الأب القاتل ‏.. و‏ زوجته وحاسبتها معه علي جريمة وأد هذه الطفلة الصغيرة‏,‏ فلقد قتلتها معه بغير أن تمد إليها يدا ‏..‏ بالتحريض عليها ومباركة مايفعله بها‏..‏ وتقاعسها عن إنقاذها من بين يديه وهو في عنفوان حمقه وثورته واستسلامه لشياطينه ونزعاته العدوانية ضدها‏.‏

وبذلك فإنها تكون قد تآمرت بالفعل مع زوجها علي قتل هذه الطفلة حتي ولو لم تمسها بيدها‏..‏ ليس فقط بتحريضه علي إيذائها وإنما أيضا بالصمت علي مافعله بها والنكوص عن رده عما يفعله‏,‏ ولقد كان في مقدورها لو أرادت أن توقفه في الوقت الملائم قبل أن يفلت الزمام من يده‏.‏

لقد قال أحد الحكماء أن مؤامرة الصمت هي أسوأ أنواع المؤامرات لأنها تعني إعانة الظالم علي ظلمه بالصمت علي مايفعل ‏..‏ وتعني في الوقت نفسه محاولة التنصل من مسئولية المشاركة في الجريمة وإدعاء عدم المساهمة فيها‏.‏

في حين ان الصمت عن الخطأ قد يعادل في بعض الأحيان المشاركة في ارتكابه‏.‏

ولاشك في أن هذه المرأة لم تكن خير صاحب لزوجها وإلا كانت قد أنقذته هو أولا من نفسه وأنقذت هذه الطفلة البريئة ثانيا من هذا المصير المؤلم‏.‏

وفي الحديث الشريف أن خير الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده أعانك وإذا نسيت الله ذكرك‏,‏ وشر الأصحاب من إذا ذكرت الله عنده لم يعنك وإذا نسيت الله لم يذكرك وهذه المرأة لم تذكر زوجها بربه حين نسيه ‏..‏ وشاركته محاولته لإخفاء آثار الجريمة بعد ارتكابها ‏..‏ وواصلت تحريضها له علي ابنتيه‏,‏ فكان في ذلك مقتلها هي وزوجها حين انكشف الأمر الذي جاهدا لإخفائه بافتضاح آثار تعذيبه لابنته الكبري‏,‏ “وماظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون‏” ..‏

ولا عجب بعد ذلك في أن تعترف علي زوجها وتثبت عليه جريمته ولا غرابة في أن تحاول النجاة بنفسها علي حساب رفيقها لأن من كانت هذه هي أخلاقياتها وعصفها بمن وضعتهن الأقدار تحت رحمتها لا يستغرب منها أن تخذل زوجها في الموقف العصيب وتتخلي عنه‏.‏

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.