جريدة النجم الوطني

الحياة قطعة حلوى صغيرة، من رواية(ثمرة الإله) للشاعر العراقي وحيد ابو الجول

0 13

جزء من رواية ” ثمرة الإله “
الحياة قطعة حلوى صغيرة
الحياة مثل قطعة حلوى, عبارة جعلت زيد يبتسم لوقت طويل بعد قراءتها على جدار مبنى في شارع ليتل سيريا ( سوريا الصغيرة ) لم يلحظ زيد هذه العبارة الغريبة من قبل, ربما كُتبت حديثًا أو أنه لم ينتبه لها عند مروره بالمبنى في المرات الكثيرة السابقة, الأمر الذي جعله أيضًا يفكر بحجم قطعة الحلوى ( أعتقد بأنها قطعة صغيرة تكفي لرجل واحد أو امرأة, أو ربما لصبي أو صبية, لأن لا أحد يكتب مثل هذه العبارة إلا إن كان مسرورًا جدًا وسعيدًا بحياته, أو ربما يكون أحدًا قد وصل به البؤس لهذه الدرجة ليسخر من الحياة ويصفها بهذه الصفة ) قال لنفسه وهو يرجع بذاكرته إلى الحياة التي عاشها في العراق بهدوء كي لا يحدث أي ضجيج أو يربك مرور نملة من بين قدميه, المهم, لم يكن واقع العراق آنذاك كما تناقلته الأخبار, أو ألسنة البعض, كان أسوء بكثير, ووحدها البيوت التي لا سقف لها تعرف سخط جحيمه والبطون التي تتلوى من شدة الجوع, وأمهات الأولاد الذين لم يقدر لهم العيش بين جدران الخرائب المهمشة, والبعيدة عن منبع السعادة ( الحياة مثل قطعة حلوى ) قال زيد لنفسه بعد يوم كامل ليعيد لها الابتسامة, والوقوف مدة أطول أمام ذكرياته كي لا يضيع منها شيئًا, أو تجف عروقها, خاصة تلك التي تحيط بها غرابة السنين وأسماء الأصدقاء وملامح وجوههم المعبرة كمناماته التي يرصف جوانبها بالأماني ورائحة الصندل, وصوت أنين يخرج عليه مخنوقًا من جدران غرفة نومه وأغلفة الكتب, ومن بين أشجار الحديقة التي يجلس فيها من وقت لآخر, كان الصوت يلاحق نومه ويقظته على طول السنوات التي عاشها هنا في ديربورن, والأيام الأخيرة له في مدينة عمان قبل أن يغادرها إلى امريكا.. لم يتحدث زيد مع السيدة ماري عن الأنين الذي يسمعه في المرات التي جلس معها خوفًا من أن تظن بأن ثمة عطب ما في عقله, ولا مع سارة التي حاولت كثيرًا معرفة ما به حين يتخشب جسده لثوانٍ اثناء سماعه صوت الأنين , فكر زيد بالذهاب لطبيب متخصص في بادئ الأمر ولكنه بمرور الوقت أعتاد على سماعه وصار جزء من حياته التي لا يظنها مثل قطعة حلوى أو شيئًا آخر يؤكل، عمومًا ، ليس هذا كل شيء, ثمة أمور أخرى تَحدثُ معه لا أحد يعرفها سوى صديق له يعمل في أحدى الصحف العراقية , فمن الصعب الإشارة إليها بإيماءة أو نظرة بسيطة وإن كانت بطرف العين, سأتركها جانبًا كي تموت مع بعض الأحلام التي غادرت ذهنه, أمور لا تتعلق بتفاصيل حياته, إنما بعقله الذي يعتقد بأنه معطوب وليست مزحة يراوغ بها غرابة وجوده في هذا العالم الذي كلما مسك بيده رأس خيط معرفته أظلمت من فوق رأسه نجومه التي لا تحصى وتناثرت أماكنه من حوله .
يعتقد زيد بأنه ليس رجلًا قويًا وصبورًا كما تراه سارة, بل أنه رجل ضعيف جدًا, وأضعف من قشة, ويشعر أحيانًا كأنه فأر صغير ومن السهل صيده من قبل القطط الهزيلة, هذا الشعور لازمه منذ كان صغيرًا إلى هذه الساعة القريبة من ذكرى ميلاده الثاني بعد الخمسين وهو ينظر إلى السماء البعيدة عن ملمس يديه, وعقله الذي يحاول التشبث بأي هاجس ولو كان بسيطًا لتمضي حياته إلى النهاية التي تخافها سارة وتفكر بها أكثر من أي شيء آخر وهي تنظر إليه وهو مُلقى على السرير بلا حراك وكأنه رجل ميت .
ــ حالك لا يعجبني !!
قالت سارة بعد أن جلست على طرف السرير وهي تضع يدها على قلبه الذي أكتفى بالنبض دون أي شعور بالحياة .
ــ ولا يعجبني أيضًا .
ــ أتسخر مني ؟
ــ لا أسخر منك إنما هي الحقيقة .
مسكت سارة بيد زيد القريبة من يدها .
ــ يدك باردة .
ــ كل الأموات أيديهم باردة كيدي هذه .
هذا ما يشعر به زيد دائمًا وتجهله سارة .
ــ متى تنتهي من الحديث عن الموت .. ثمة حياة في الجانب الآخر لم لا تتحدث عنها .
ــ أنا أتحدث عن الجانب الذي أكون فيه .. أما الجانب الآخرة فلا يمكنني أن ألمح ظلًا من ظلاله ولو كان قصيرًا ولا حتى تخيله.. إنه جانب بعيد عني .
ــ كنت متفائلًا قبل أيام ما الذي حدث وغير حالك ؟؟!!
ــ كنتُ أحاول فقط .
وقفت سارة وعيناها مازالتا تنظران إلى زيد بدهشة .
ــ تحاول في ماذا لا أفهم ما تقول ؟!!
ــ أن أتجاهل النهاية .. أقصد الموت الذي لم أجد له تفسيرًا غير أنه نوم عميق .
ــ ألم تقل بأن بعد الموت ثمة حياة أخرى تنتظرنا في السماء .
رفع زيد عينيه إلى سقف غرفة النوم و هو يشعر كأن جسده في تابوت .
ــ لا أدري .. قد أكون على خطأ .
استغربت سارة مما سمعته من زيد والحال الذي هو عليه .
ــ ما الذي غير حالك ؟؟!
ــ ما من شيء محدد غير أني أفكر .
ابتسمت سارة وهي تحمل قدميها اللتين بردتا قليلًا كي تعد القهوة لكليهما .
ــ أنت تُشبه نفسك بالميت والأموات لا يفكرون .
ضحك زيد من مراوغتها الذكية .
ــ وما أدراك بأن الأموات لا يفكرون ؟!
ــ لأن عقولهم تموت معهم .. سمعت هذا من صوفيا التي تعمل في السوبر ماركت القريب من هنا .
ــ نعم أعرفها تلك الشهباء قصيرة القامة .
صمتت سارة تفكر .
ــ هل الأموات فعلا لا يفكرون ؟؟؟
ــ بالتأكيد لا يفكرون .
ضحكت سارة وهي تقدم لزيد القهوة .
ــ أمرك عجيب ومحير, كل يوم بحال مختلف !!!
ــ ثمة أمور لا يصل لها عقلي ولا عقلك أيضًا.. أمور لا يمكن مشاهدتها أو الظن بلمسها .
ــ مثل ماذا ؟؟؟
جذب زيد سارة إلى السرير بعد أن أنتهى من شرب قهوته .
ــ لا تشغلي عقلك بتلك الأمور .
في تلك اللحظة شعر زيد بأن التفكير في بعض الآمور المقيدة بخيوط مظلمة تُتعب العقل, وتزيد قلبه تعاسة وحزنًا, ومن الأفضل تركها جانبًا, والانشغال بأمور أخرى وأن كانت بسيطة على الأقل في هذا الوقت الذي يخرج من بين يديه سريعًا باتجاه عتمة الغابات وكأنه ذئب أبيض, أو طائر لا تراه عين, له جناحان قرمزيتان صغيرتان كما في القصص التي تتحدث عن الساحرات اللواتي لا وجود لهن إلا في أقبية الخوف, ونظرة الراعي حول أغنامه قبل أن ينزل الليل على الوديان, أو تصيح أمٌ على ابنتها وفي قلبها فزع شديد من أن تختفي بين طيات الأهوال دون أن تتذكر ملامح وجهها كما حدث في الماضي الذي وصله عن لسان أبيه حميد ووصل أبيه عن لسان جده عبد العظيم الذي نقل عنه ما لا يصدقه عقل, بأن ثمة امرأة في القرية خرجت من ماء الهور وعلى رأسها تاج من الذهب المرصع بأحجار الياقوت والزمرد, وكان لها ظل بطول شجرة سدر كبيرة يقدر عمرها بثلاثة أعوام ولها عينان واسعتان أكثر من وسع عينا غزال, كانت المرأة أم لأهل القرية دون أن يعرفوا, وكانت أيضًا قمرهم الذي توارثوه عن الأجداد مع قصة عن ابن ميسان الذي قذفته من فمها إلى خارج الماء حية كبيرة وطويلة, كبر الولد في غضون دقائق إلى أن أصبح ملكًا تهاب خطواته البشر والوحوش – إنها قصة قديمة – هذا ما سمعه زيد من أبيه حينما كان طالبًا في الصف الأول متوسط, وكان يحدثه أبيه عن الجوع أيضًا, وعن الليالي التي تنام النجوم فيها دون أن تلمع عيونها حين يشتد الفقر بالبلاد, وتذبل سنابل القمح على حواف الجداول, وحين يخرج الصراخ يتيمًا من البيوت المسكونة بلون الحبر إلى الدروب الضيقة, كان هذا في الماضي الذي لم ير زيد عينيه, أو يشهق هوائه, الذي سمع عنه أيضًا من الجدة أم بلقيس ذات الأعوام المئة في تقدير ابنها الحاج سعدون الذي يسره جلوس زيد بينهم في أيام الصيف, وأيام الشتاء الباردة حول مدفأة علاء الدين النفطية, لم تكن أم بلقيس أمًا لأبيه ولا لأمه, كان يسميها جدة لحبه الشديد لها وكونها جدة لصديقه عدنان الأبن الوحيد بين ثمان بنات للحاج سعدون, كانوا كعائلته تمامًا, رحم الله أم بلقيس, كان وداعه لابتسامتها قد أحزنه كثيرًا, وأمرض روحه لمدة طويلة .
ــ لأكثر من ساعة وأنت سارحًا لا أدري أين .
قالت سارة بعد أن شعرت بالضجر من غياب ذهن زيد عنها .
ــ كنتُ بين الأهل .
لم تعلق سارة على ذهاب ذهن زيد بعيدًا عنها بعد أن عرفت أين كان وأكتفت بوضع رأسها على صدره ثم تنهدت وكأنها تقول له, لا أهل لي في أي مكان غير صدرك الذي أضع رأسي عليه .


الرواية صادرة عن دار قناديل للنشر والتوزيع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.