جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

“الحملة على دار الإفتاء” بقلم / هيثم أبوزيد

0 20

“الحملة على دار الإفتاء”
بقلم / هيثم أبوزيد

إعداد /محمد الزيدي

لا يحتاج من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي جهدا كبيرا لإدراك أن سيل الشتائم والتطاول والمواقف المتشنجة ضد دار الإفتاء إنما يصدر عن حملة منظمة، أشعلتها جماعات الغلو سلفية كانت أم حركية، من خلال خلق حالة زائفة، بأن الدار تواجه غضبا شعبيا واسعا بسبب خروجها على ثوابت الشريعة وما استقر من أحكامها.. ومن خلال “العدوى الإليكترونية” يندفع الشباب للمشاركة في حملة شتم الدار وشيوخها بقوة دفع ذاتي، يتوهم صاحبها أن موقفه ناتج عن اختيار حر وإرادة مستقلة، وأنه يسطر ما يسطر من شتائم وبذاءات واتهامات بوازع من الدين والتقوى والانتصار للثوابت التي تحاول الدار هدمهما أو زعزعتها كما يتوهم.

يبرز أثر جماعات الغلو في الحملة على الدار متمثلا في حزمة الاعتراضات المتكررة على كل فتوى تنشرها صفحة الدار على موقع “فيسبوك”، وهذه الاعتراضات في حقيقتها ليست إلا مغالطات، يمكننا من خلال تأملها أن نفهم كيف حولت الجماعات أنصارها إلى مسوخ بلا عقل ولا فهم ولا قابلية للتعلم، ورغم تنوع هذه المغالطات، وتعدد صيغ التعبير عنها، إلا إنها لا تخرج في عمومها عن سبعة أوهام:

أولا، الإباحة تعني التفريط: هكذا ربت جماعات الغلو أنصارها، أن ينظروا إلى المؤسسات الدينية الرسمية باعتبارها جهات صنعت لتمييع الدين وهدم ثوابته، وأدلة هذا الهدم –بزعمهم- هي فتاوى الإباحة والتيسير.. وقد تمكنت الجماعات من نشر هذا الوهم من خلال خلطها الدائم والمستمر بين ما هو فقهي وما هو وعظي، ومن خلال نقل كثير من أحكام الفقه إلى المنابر، وتحويل خطب الجمعة من الحالة الوعظية الإيمانية الأخلاقية إلى ميدان الحلال والحرام، والسنة والبدعة، بل إلى ميدان العقائد والحكم بالإيمان والكفر.. مع استغلال كامل لسلطة المنبر في الانتصار لأقوال التحريم والتضييق فقها، أو التكفير والإخراج من دائرة الإسلام اعتقادا.

ثانيا، الإباحة تعني التبعية للسلطة: وهذا الوهم تبنيه الجماعات على أصل ثابت لديها، وهو أن المؤسسات الدينية الرسمية كلها، ليست إلا أدوات في يد الحكام لمحاربة الإسلام، وضربه من داخله، وهي فكرة شيطانية، كان سيد قطب أول من نظر لها، في تعليقاته على سورة التوبة، وقصة “مسجد الضرار”، فالمؤسسات الدينية الحكومية بنظر سيد ليست إلا امتدادا لمسجد الضرار في صورة عصرية.. وبعد أن رسخت هذه الفكرة في أذهان الشباب من ضحايا جماعات الغلو صاروا يرون أن كل فتوى بالإباحة أو اختيار القول الأيسر إنما هو مصداق ودليل على هذه التبعية.. وبلغ الشطط بأتباع هذه الجماعات أنهم يجزمون بتدخل السلطة في عمل المؤسسات الدينية عموما، ودار الإفتاء على وجه الخصوص، حتى في مسألة استطلاع الهلال وتحديد أوائل الشهور العربية.

ثالثا، وهم الجزم بالتحريم: واعتبار الفتوى بالإباحة والجواز دليلا على التفريط والتبعية للسلطة ما هو إلا نتيجة حتمية للخلل الفكري والعلمي عند أتباع هذه الجماعات، الذين يجزمون بالتحريم في عدد كبير من المسائل الفقهية الخلافية، أو حتى التي يرى فيها جمهور العلماء الإباحة.. وفي كل يوم يتابع رواد مواقع التواصل حملة الشتائم ضد الدار، إذا تكلم شيوخها وأمناء الفتوى بها عن عدم وجوب النقاب على المرأة، أو جواز حلق اللحية، أو جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، أو جواز الاستماع إلى الغناء والموسيقى، أو اختيار المذهب الفقهي القائل بطهارة الكلب، أو جواز الاحتفال بأعياد الميلاد.. وقد يصل الأمر إلى الاعتراض على أحكام اتفقت عليها الأمة بكل مذاهبها، مثل صحة صيام من لا يصلي، أو أن الانتحار حرام لكن المنتحر ليس كافرا.. وتبلغ المهزلة ذروتها حين يمارس الفارغون والتوافه “عمليات استدلالية” في تعليقاتهم على فتاوى الدار، ويسوقون الآيات والأحاديث، وكأن علماء الدار لم يسمعوا بها، أو سمعوها وتجاهلوها عمدا.. وهي مرحلة بعيدة من الجرأة والجهل والتوقح، تمثل إحدى أهم النتائج السلبية لهيمنة تلك الجماعات ودعاتها على العقل المصري عدة عقود، حيث أفهموا الجماهير أن مجرد معرفة النص، قرآنا كان أم حديثا يكفي لاستنباط الحكم الفقهي وإصدار الفتاوى.

رابعا، عدم نشر الرأي المخالف: ويتهم المعترضون الدار بسوق قول فقهي واحد، دون ذكر الأقوال الأخرى في المسألة، وهذا الاعتراض يمثل تسلطا جهولا على الدار وعلمائها، فالسائل لا يريد أن يعرف اختلاف العلماء، ولا تعدد الأقوال في المسألة.. هو يريد إجابة واضحة، يلتزم بها دون تشتيت أو إغراق في تفاصيل، ولم يقل أحد أن من واجب المفتي أن يستعرض أقوال العلماء في المسألة أمام السائل.. وليس هناك من شك، في أن الأغلبية الساحقة من المستفتين يريدون قولا واحدا يختاره المفتي، ويكادون يكرهون عبارة “اختلف العلماء على عدة أقوال”، أو العبارات من نوع “قال الأحناف” و”رأى المالكية” و”ذهبت الشافعية”.. الإنسان العادي غير المشتغل بالفقه لا يعتبر هذا إجابة أصلا.

خامسا، عدم ذكر الأدلة: ومن الاعتراضات التي تتكرر في كلام المحتجين على فتاوى الدار، أن مسؤولي صفحاتها على مواقع التواصل لا يذكرون الأدلة الشرعية على ما ينشرونه من أجوبة، في مسعى خائب لإظهار شيوخ الدار وكأنهم يفتون بأهوائهم، وبلا أدلة من القرآن والسنة.. وهذا التضليل نتاج للخلط المستمر بين مقام التدريس ومقام الإفتاء.. فالأدلة، وتراتيبية العملية الاستدلالية وصولا إلى استخراج الحكم الشرعي، مكانها الدرس الفقهي، لا الفتوى.. ولا معنى لسوق الأدلة لمن لا يعرف معنى “الدليل” ولا مناهج الاستدلال، ولا أوليات اللغة العربية، ولا المباحث الأولى في أصول الفقه، ولا سبل الترجيح عند التعارض، ولا الخريطة البسيطة لأقسام الحديث المقبول أو المردود.. المستفتي مقلد.. مذهبه مذهب مفتيه.. وليس له أن يجادل أو يعترض أو يستشكل، لأن الاعتراض والاستشكال يستلزم أن يكون صاحبه من أهل النظر الشرعي، ولو كان كذلك لما احتاج إلى سؤال شيوخ الدار أصلا.

سادسا، عدم الأخذ بالأحوط: وفي غاراتهم على الدار، يتساءل المعترضون، وبراءة الأطفال في أعينهم: لماذا تفتون بالإباحة والجواز في كل المسائل التي فيها قولان: أليس من الأفضل أن تفتوا بالمنع أخذا بالأحوط؟ وأن تقولوا بالتحريم اتقاءً للشبهات؟.. وهذا خلط من نوع آخر، غير الخلط بين التدريس والفتوى، وإنما ذلك من آثار محو الحدود بين الوعظ والفقه.. والأخذ بالأحوط تورعا، أمر يخص السائل، لا المجيب، وفي مسألة “المعاملات المصرفية” مثلا، والتي شاع القول بتحريمها لسنوات طويلة، يمكن للسائل أن يقبل بإجابة الدار بالإباحة، والدار هي الجهة المنوط بها رفع الخلاف عن غير المشتغلين بالفقه، ويمكنه إن استشعر حيرة أو حرجا ألا يتعامل مع البنوك أو يقبل فوائدها على المدخرات، أخذا بالأحوط، واتقاء للشبهات، دون أن ينكر على الدار حكمها بالإباحة، ولا على من يقبلون فتواها.. هذا الأخذ بالأحوط، مختص بالأفراد، كل حسب حاله وتورعه.. ولا شأن لدار الإفتاء ولا للمفتين به.. المفتي يقدم فتواه إلى المجتمع، فتاوى المجتمع تأخذ بالأيسر لا بالأحوط.. وتقدم أقوال الإباحة على أقوال المنع.. لأن الأغلبية الساحقة من جماهير المستفتين تريد الأيسر لا الأحوط.. والأخذ بالأيسر ضابط رئيس يحكم عمل المفتي الذي يتعامل مع مجتمع بأكمله، ولا يقبل منه أن يقدم فقها يعطل حركة المجتمع، مادامت اختياراته الفقهية لها تأصيلها الشرعي القوي، ويقول بها عدد كبير جدا من العلماء في مختلف بلدان العالم الإسلامي.

سابعا، وهم خلل الأولويات: ومن أسخف الاتهامات الموجهة إلى الدار، أن لديها خللا في أولويات القضايا التي تتعرض لها.. والحقيقة أن الجمهور هو من يحدد جدول أعمال الدار من خلال أسئلته، وأمناء الفتوى لا يستيقظون في الصباح ليتكلموا في أول موضوع يخطر ببالهم، وإنما يجيبون على أسئلة وردتهم بالفعل، أو يرون أنها تشغل بالفعل بال قطاعات واسعة من الجمهور الطبيعي غير المؤدلج.. والدار غير مسئولة عن طريقة تغطية الصحف والمواقع الإخبارية لفتاواها.. وطبيعة الصحف البحث عن الإثارة، والعناوين الجاذبة، والمحرر الصحفي غير متخصص في الفقه، فهو يبحث عن جملة تشد الانتباه، وتزيد التفاعل، بغض النظر عن كون هذه الجملة تمثل تلخيصا حقيقيا ودقيقا لما ورد في الفتوى أو كونها غير ذلك.

ثم تبقى الحقيقة التي يصر كثيرون على تجاهلها، وهي أن الهجمة على دار الإفتاء المصرية، له سبب وحيد، هو نجاح الدار في أن تصبح بالفعل والواقع مرجعية فقهية لجماهير الشعب المصري، بل وأن يمتد أثرها إلى كثير من بلدان العالم الإسلامي.. أصاب هذا الواقع أتباع جماعات الغلو بحالة هستيرية، وسعار متواصل، بعد أن اعتادوا لعقود أن يكونوا هم المرجع والمفتي والموجه، وبعد أن عودوا الناس على آراء التشدد والتحريم والمنع، وروجوا لها باعتبارها دينا وورعا وتقوى، وأن غيرها يصدر من علماء السلطة المفرطين المميعين للدين.

وبعد سنوات من الاستقرار، والاطمئنان لهذه الحالة، انسحب البساط من تحت أرجلهم، ووجد أنصار هذه الجماعات، أن القطاعات الشعبية الأوسع تتوجه بأسئلتها إلى دار الإفتاء، لا إلى شيوخ السلفية.. وأن الدار تجيب كل يوم على آلاف الأسئلة.. عبر فريق ضخم، يضم مئات من المتمرسين، وعبر إدارات مختلفة: الفتوى الشفهية- الفتوى من خلال الخط الساخن- الفتوى الإليكترونية- الفتوى البحثية (لمن يطلب التأصيل الشرعي للاختيارات الفقهية المعتمدة في الدار).. من يذهب إلى الدار للاستفتاء، يأخذ رقما، وينتظر دوره.. ازدحام يدل على الثقة الجماهيرية الواسعة في الدار والقائمين عليها وما يصدر عنها.

وقد نشر المضللون على مواقع التواصل حالة مزيفة مفادها أن الدار تقول كلاما مناقضا لما يقوله الأزهر، وهذا ادعاء يكذبه الأرشيف المنشور والمتاح لأي إنسان.. ولا وجود لهذا التناقض إلا في أوهام المتربصين بالدار وبالأزهر.. وثائق الأزهر منشورة متاحة، وأحاديث شيخ الأزهر منشورة متاحة.. وحجم الاتفاق بين ما يصدر عن المؤسستين يكاد يصل إلى درجة التطابق.. ولعل من أكبر شواهد التربص بالدار أنها تتعرض للهجوم والسب والتطاول على كلام صدر مثله عن فضيلة شيخ الأزهر دون أن يتعرض لرد فعل مماثل.
وليس من شك، في أن القائمين على الدار قد تحملوا ويتحملون يوميا من السباب والشتائم والطعن في الدين ما لا يحتمله بشر.. ولا يملك من يتابع هذا الملف لفترة طويلة، إلا أن ينظر بعين الإكبار والاحترام إلى فضيلة الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية، الذي واجه هذه الحملات برباطة جأش وشجاعة نادرة.. ولم تصدر عنه –رغم حملات التطاول- كلمة مسيئة لأحد، ولا لفظ خشن، ولم ير منه الناس إلا أدبا جما، وعفة لسان، وردودا علمية، وسمتا متزنا يليق بعالم حقيقي.. لا تملك الدار إلا أن تستمر في نهجها، وهذا الاستمرار وحده كفيل بانتصارها على حملات الجهل والتشغيب.

رحم الله سفيان الثوري إذ قال: الفقه هو الرخصة من ثقة.. وأما التشدد فيحسنه كل أحد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.