جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

“الجزء الأول” قصة جار الرضى…بقلم / جهاد مقلد

0 29

“الجزء الأول” قصة جار الرضى…بقلم / جهاد مقلد

رفيقة دربي لأكثر من ربع قرن… قبل أيام فقط تركت أغصانها مثقلة بثمارها الكبيرة الحجم… تباري الشمس بلونيها الأصفر والأحمر… متدلية، ومع أول هبة ريح ينقبض قلبي… أخشى أن تطبق عليها جاذبية نيوتن… كم تثير القلق في نفسي عندما يلاعب النسيم أوراق أمهاتها فتتمايل كاشفة عن جمالها… لم تخبرني أن غايتها الضمّان الجديد الذي كنت أنتظره في تلك الآونة… واليوم واعدت آخر ربما يكون أقل جشعاً ممن سبقه قبل أيام (الضمَّان= تاجر الجملة)… بعد أن رفض السابق السعر الذي حددته لثمار بستاني، وبالمقابل رفضت السعر الذي اقترحه هو وأصر عليه…
كان تقديره للسعر يشي بطبعه المستغل… طبع من يفتح جيبه للربح على وسعها! دون أن يضع في حسبانه ما أفرغت من جيبي طوال العام، من أجور حرث وتقليم ورش، وأثمان مبيدات حشرية، ووو… فقائمة المزارع المسكين ليس لها نهاية!
وكانت المفاجأة المنهكة لقلبي الضعيف، قبل عينيَّ الكليلتين التي لم تخطر لي بحسبان! رأيت في الشجرة الأولى التي قابلتني نقصاً ملحوظاً في كمية ثمارها… بل زينتها الثمار الكبيرة الحجم فقدت، وما تركت معلقاً منها بأغصانها قبل أيام… قبيل ذهابي إلى دمشق …
تحطمت أعصابي… دققت… تجولت في أرجاء البستان… تفقدتهم شجرة شجرة… يا إلهي سرقة مهولة طالت جميع الأشجار!
وقفت أعتصر ذاكرتي… منذ أيام فقط تفقدتها… كانت مليئة بذات الحجم الكبير (النخب الممتاز) من التفاح الأحمر والأصفر… واليوم هو المسروق بامتياز! رأيت أغصانها اليوم مرتفعة تشكو ظلم البشر، بعد أن كانت قبل أيام دانية تشكر رب البشر…
مصيبة لم تخطر لي على بال أن أرى ثماري غادرت أشجارها مكرهة… أتساءل: صناديق من حوتها؟ وأي من البشر أغلق جيبه على مجهودي طوال العام… نظرت تحتها… دققت… لم أر من الثمارعلى الأرض ما ينبئ بلصٍ عجولٍ، ولا حتى أوراق خضراء بعثرتها سرعته… فقط القليل ممن تساقط طوعاً وتنظر إلى الأعلى مودعة أمهاتها!
عمل اتسم بدقة الواثق من غيابي أياماً… وقفت أفكر… سرقة منظمة ومنتظمة ودقيقة! تساءلت: من ذا الذي تطاول على تعبي؟ من سأتهم؟ لمن أشكو أمري؟ لم تحملني قدماي؛ ركعت مكاني أندب حظي…
عدت بذاكرتي لسنوات ثلاث خلت، حين سُرق محصولي بالكامل… يومهاغصة كأنها كباية عرس علقت في بلعومي… معانات مُرّة مرت بي تلك الساعة فقهرت فرحتي!
نظرت ساعتها غاضباً نحو عمالي الجالسين على حافة قاطرة الجرار؛ ينتظرون أن أوعز لهم بالنزول للبدء بجني المحصول… وأخرتني المفاجأة عن النظر إليهم… بل أنني نسيتهم تلك الدقائق كما نسيت كل ما حولي!
طال انتظارهم… خف طنين أذني… وبدأ يتسرب إليهما همهمات أعادتني إلى واجبي…
أسمعهم يتساءلون فيما بينهم:
_ هل لدى صاحبنا غير هذا البستان؟ لمَ لم يأمرنا بالنزوول؟! ماذا سنفعل هنا؟ الأشجار فارغة من الثمار! فيرد رفيقه: (أحسن وانت مالك! يومياتنا ماشية… اريحلنا) أسمع الثرثرة ولا أرد… أفقت من ذهولي وبدأت أكلم نفسي… حقيقة… لِمَ أحتفظ بهؤلاء العمال الذين جئت بهم لجني المحصول؟!
ويأخذني عقلي لتصورات ربما خاطئة… حتماً السارق الأن يعد لسهرة مجون على حساب ما جناه من محصولي… ثم أتوخى الحذر لأبتعد عن سوء الضمير، فأقول ولمَ أتهمه بالمجون؟ ربما هو ممن لا يقارعون الكاس عفيف النفس… وتبسمت قهراً وقلت لنفسي لو كان السارق من أشراف الناس هل يعتدي على أرزاقهم؟.
بدأت أصوات العمال ترتفع… عليّ أن أتصرف بهم، ومعهم سائق الجرار والصناديق المؤجرة… لم أستطع أن أفرق ساعتذٍ بين صوتي وفحيح أفعى تنسل رعباً من صقرٍ لمحته يحوم فوقها تحاذر أن يخطفها… المهم فهم العمال فحيحي حين قلت:
_ عودوا من حيث جئتم وحسابكم عندي كاملاً، عندما تفهموا الموقف!
آه… كم وددت أن أبل ريقي الجاف، وقد أصبح شبيهاً بقطعة صمغ سرقت نفسها من تحت اللحاء لتسد ثغرة ثقبتها حشرة ملعونة في ساقها…
أنظر إلى الأغصان التي خف حملها، فأراها تسخر مني ومن الرياح، ومن نظرية الجاذبية… فتتمايل مع الهواء راقصة، وكأنها تقول… الحشرات وحدها لا تؤذي الأشجار؛ بل بعض البشر أكثر أذية… بحثت عن ثمرة، أعرف أنني لن أجد سليمة، حتى وإن كانت تالفة أو منسية، بين الأوراق أو على الأرض… أريد ترطيب فمي الذي جف من هول مصيبتي…
يا إلهي… يبدو أن السارق لا يهمه حاجتي في مثل تلك الساعة عندما أكتشفُ السرقة، لقد أخذ كل شيء… وجاء الفرج… تعلق نظري بغصن شجرة أُفرغ من ثماره كاملة… لكنه هرب متسللأ بين ثنايا سنديانة كثيفة! ربما سجل الواقعة وأخفى نفسه، حريصاً ليناديني مشفقاً ببريق تفاحتين أخفاهما عن السارق، الذي لم يكن على عجلة من أمره… فقلت يالحظي الجميل! لو أنني في السوق اليوم لاشتريت ورقة يا نصيب…
المهم بعد أيام فقط عرفت من السارق… لم أجرؤ على اتهامه… إنه صديق الطفولة والكهولة… نعم هو كذلك… وسلمت أمري لله ليكشفه وينتقم لي.
وأوعز الله له أن يكشف نفسه… أيام قليلة وجاء بورقة الحساب… كان يقدم لي مثلها في نهاية كل موسم عندما أكون عائداً من غربتي… نعم لمحتها… كأنها كتبت بأسرع من سرقة بستاني… لم ينس مصيبتي… عزّاني بكلمات حزينة، وطلب لي العواض من الله، وهو يقدم الورقة ببسمات مشفقة… لِمَ أمسكها بيدي اليوم؟ عادتي منذ تعاملت معه أن أظهر له ثقة كاملة… وأصر أن يقرأ، قلت له:
_ منذ متى وأنا أدقق في الحساب معك؟ قل كم وكفى وعوضي على الله… أصر ويا ليته لم يصرّ… آلمني وهو يقرأ الأرقام ويحذف بضعة دراهم من كل رقم، عربون لمشاركته في مصيبتي… وإن كان مجموع ما حسم لا يشتري أكثر من قطعة حلوى لحفيدي الصغير!
لم يفته سكوتي… ما زال يقرأ:
_ فلاحة… عزَاقة… تقليم… قيمة مبيد حشري… ثمن مبيد فطري… أجرة جرار …أجرة عمّال، ولن أحسب أجرتي هذا العام… ثم ابتلع ريقه وتابع، ويا ليته لم يقلّهما… أجرة قطاف… أجرة نقل… وهنا ابتلعت مصيبتي ولعابي معاً… طلبت بنفسي العوض من الله فقط… جملة فقط قلتها ولم أكررها أو أزيدها: البستان سُرق!!! حتى اللحظة لم ينتبه… وفطن وجاء رده المهذب المؤدب، إنما ليس هو! أف… أف ولعن أبليس وأظن أن إبليس لم يكن بغبائه.
هنا تكلمت وبهدوء أيضاً… ولا أدري لماذا لم ألكمه بقبضة يدي التي كانت مفاصلها تقرقع وتفرقع وتهيء نفسها! ربما السبب لأنه يقف بباب منزلي، وكان قد رفض الدخول بحجة ضيق وقته… قلت: كيف تحسب علي قيمة القطاف والنقل، والبستان سُرق عن بكرة أبيه؟! وجاء رده دون أن يطرف جفنه… بل منقذاً لي قبل أن يكون له:
_ آسف… آسف هذا حساب صديقي فلان، غداً سأمر عليك بورقة حساب بستانك؛ ثم كان ما كان… الورقة نفسها، والرقم حسم منه الخطأ فقط… سنوات وتوفاه الله، ولم يتهيء لي أن أفتش جثته أو قبره لأرى ما حمل من حطام الدنيا معه… وكنت قد تركت حسابه إلى الله… ما أثقل الماضي…
وأفقت اللحظة إلى حاضري… فقلت في نفسي:
_ رحماك ياربي لقد أنعمت علي بأكثر مما أستحق… لم يُسرق هذه المرة المحصول كله… ذهب النوع الممتاز فقط! وإن كانت القيمة الفعلية له!
قريباً نلتقي في الجزء الثاني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.