جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

التجديد في علوم البلاغة في العصر الحديث

0 39

التجديد في علوم البلاغة في العصر الحديث


إعداد / محمد الزيدي


من أهمِّ العلوم التي وُضِعت للبحث في المعجزة، وأسهَمتْ فيه بنصيبٍ موفور: علم البلاغة، علم الذوق والجمال، والفن الأدبي.
ولقد كان لعلم البلاغة فضلٌ كبير في بيان أساليب العرب، وتَراكيب لغتهم، وما تَمتاز به من قوَّةٍ وجمال؛ في اللفظ والمعنى، والعاطفة والخَيال؛ ممَّا أعان كثيرًا على فَهْم تُراثنا، وتقدير لُغتنا، وبَيان إعجاز كتابنا الكريم، بل إنَّ دراسة الإعجاز وإدراكه كان الهدف الأسمى الذي من أجْله وُضِعَ علم البلاغة؛ يقول ابن خلدون: “واعلم أنَّ ثمرة هذا الفن، إنما هي فَهْم الإعجاز من القرآن”.


فالبلاغة العربيَّة إذًا دينية النشأة، قرآنية المولد، درجتْ ونَمتْ في رحاب كتاب الله، تستهدي آياته، وتتشرَّب معانيه، قبل أنْ تتناولَ الأدب العربي بوجْه عام.
وعلى هذا، فالبلاغة علمٌ له قَدْره ومكانته، وعلينا نحن العرب والمسلمين أنْ نحلَّه المكانة اللائقة به من الاهتمام والتقدير.
لكنَّ البلاغة العربية – وإنْ كانت لَقِيت عناية كبيرة في عصورها الأولى – تخلَّفتْ عن رَكْب العلوم الحديثة، واعترَض طريقَها من الصعاب والعقبات ما وقَف بها عن بُلوغ الغاية، وحادَ بها عن مَسار الذوق والفن والجمال.
ذلك أنَّ البلاغة بعد أنْ أيْنَعتْ على يد الإمام عبدالقاهر، واستوَتْ على سُوقها تُعجب الزرَّاع، ما لَبِثت أن استقرَّت في يد عُلماء الكلام والفلسفة والمنطق، فحوَّلوها إلى تعاريفَ وتقاسيم تقومُ على جَدَلٍ عَقيم.
فمنذ ألَّف السكاكي في القرن السادس الهجري كتابه “المفتاح”، وجعَل القسم الثالث منه في علم البلاغة، وكُتبُ المؤلفين تدور حوله، وتُبنَى عليه، وتَنهج طريقته الكلاميَّة الجدليَّة، بل تزيد عليه تعقيدات وإغرابًا.
وجاء القزويني في القرن الثامن الهجري، فاتَّجه هو الآخَر إلى “مفتاح العلوم”، ولَخَّصَ قسمه الثالث، بعد أن رأى فيه حشوًا وتطويلاً وتعقيدًا، فهذَّبه ورتَّبه ترتيبًا أقربَ تناولاً، ولكن بنفس الطريقة والأسلوب، ثم رأى أنَّ هذا التلخيص غير وافٍ بالغَرَض، فوضَع شرْحًا على تلخيصه هو “الإيضاح”، وهذا الكتاب هو الذي وقَفتْ عنده البلاغة لا تَرِيم، ولَم يُكتَب لها بعده التطوُّر والتجديد.
وفي كتابَي القزويني “التلخيص” و”الإيضاح”، يجدُ الباحث الفلسفة وأساليب المناطِقة ومصطلحاتهم ماثلةً أمامه؛ ممَّا يعوق الانتِفاعَ من بلاغته في صَقْل الأذواق وتربيتها، وللأسف فإنَّ كتاب “التلخيص” هو الذي دارَتْ حوله وحول شروحه دراسة البلاغة حتى العصر الحديث.
وقد نقَد الدكتور أحمد مطلوب كتابَي القزويني نقْدًا جيِّدًا، وأبرَزَ ما فيهما من عُيوب وإغراب عن مسائل البلاغة وفنِّها، ونقَل بعض عبارات القزويني عن الملكة والكيف، والصدق والكذب، والجامع والدلالات وغيرها، كأمثلةٍ تُؤيِّد وجهة نظره، ثم قال: لقد نقَلنا هذا كلَّه؛ لنُظهِر خُروجَهم عن البلاغة، وإلاَّ فما علاقة هذا الكلام بها؟ وكيف يستفيد منه الأديب في نقْد الأدب، وإظهار جماله؟
وقال في موضعٍ آخرَ: وننتهي من هذا كلِّه إلى أنَّ النزعة الفلسفية والْجَدَلية تُسَيْطِر على بلاغة القزويني، وهذا واضحٌ في المنهج والتبويب، وبيان المعاني البلاغية، واستخدام الأساليب والمصطلحات الكلامية والفلسفية، ومن هنا نرى أنْ لا فائدة من العُكوف على بلاغة القزويني، وشُرَّاح تلخيصه.
والواقع أنَّ الشَّكوى من جَفاف علم البلاغة، وإقحام مسائل الفلسفة والمنطق فيه، شكوى عامَّة وردتْ في كثير من كُتب المُعاصِرين، الذين كتَبُوا في تاريخ البلاغة وعلومها، أو دعوا إلى تجديدها، كما وردتْ كذلك في كُتب المتقدِّمين والمتأخِّرين، من ذلك قولُ المغربي بعد أنْ تحدَّث عن اللذَّة والألَم، والأشكال والسمع والذوق: “وقد أطنبتُ فيما يتعلَّق بهذه الكيفيَّات، على حسب ما فسَّرها الشارح، ممَّا هو من تدقيقات الحكماء، بعد تفسير بعضها بما هو أقرب إلى الفَهم؛ قصدَ الإيضاح وزيادةً في الفائدة، وإنْ كان تفسيره – كما قيل – لا يناسب هذا الفن، ولا يَسهل على المتعلِّم، بل يزيده حَيْرة”.
من ذلك أيضًا قولُ عصام الدين بعد أنْ تكلَّم عن الحواس والكيفيات والحركات: “واعلم أنَّه لَم يفِ المصنِّف بما وعَد في ديباجة الكتاب؛ من حذف الحشو، والتطويل والتعقيد، وسَهَا عنه في هذا المقام؛ لأنَّ هذه التقسيمات ممَّا لا نفْع له في هذا الفن، بل يوجِب تحيُّر الأفهام، وإيقاع المبتدئين في الظلام”.


إذًا فالقدماء أنفسُهم أحسُّوا بما في هذه البُحوث من حشوٍ وإقحام على الدراسات البلاغيَّة، ولكنهم – فيما يبدو – فعلوا ذلك؛ ليثبتوا ثقافتهم الواسعة، واطِّلاعهم العميق على أساليب الفلاسفة والمتكلمين.
ولقد كنَّا ونحن طلاب في القسم الثانوي في معهد القاهرة الديني، نحسُّ بجفاف البلاغة وكُتبها، ونتساءَل: أهذه هي البلاغة حقًّا؟ وهل يجوز أنْ يتعلم طالب البلاغة أوَّل ما يتعلم التنافُرَ والتعقيد والغَرَابة، وأنْ يكون ذلك أوَّل ما ينطبع في ذِهْنه عن البلاغة؟ ثم هو لا يجد بعد ذلك – إذا ما أخَذ يتعمَّق في الدراسة – إلاَّ جِدالاً طويلاً، عَقِيمًا مُملاًّ، يخرُج منه في النهاية بأنَّ الخِلاف لفظيٌّ، أو أنَّ الجهد لا يُكافئ النتيجة، وتبحث عن البلاغة فتجدها ضائعةً مطمورةً تحت هذه الأمواج العارمة من المصطلحات والمحترزات والفرعيَّات التي لا حصْرَ لها.
وليس معنى ذلك أنَّنا كارهون لقديم البلاغة، نُرِيد أنْ نُلقِي به وبكُتبه في بحر الظلمات، كلاَّ؛ فإنَّ التراث القديم يَستحق منَّا التقدير والاحترام، ولكنِّي لا أعتقد أبدًا أنه يستحقُّ التقديسَ والعبادة.


والدعوة إلى التجديد في البلاغة ليستْ شيئًا حديثًا ابتدعناه، فمنذ القرن الثالث الهجري دعا ابن قتيبة إلى التجديد، وقال قولته المأثورة: “إنَّ الله لَم يَقصر العلم والشعر والبلاغة على زمنٍ دون زمنٍ، ولا خصَّ به قومًا دون قومٍ، بل جعَل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كلِّ دهْر، وجعَل كلَّ قديمٍ حديثًا في عصره”.
وفي القرن السادس الهجري ثارَ ابن بسام في أقصى المغرب وشكا من الجمود وتقليد المشارِقة، فقال: “وليت شعري مَن قصَر العلم على بعض الزمان، وخصَّ أهل المشرق بالإحسان، والإحسان غير محصور، وليس الفضل على زمن بمقصور، وعزيز على الفضل أن يُنْكَر؛ تقدَّم به الزمان أو تأخَّر، ولَحَى الله قولَهم: الفضل للمتقدِّم؛ فكم دفَنَ من إحسان، وأخْمَل من فلان، ولو اقتصر المتأخِّرون على كُتب المتقدِّمين، لضاعَ علمٌ كثير، وذهَب أدب غزير”.
ولو أمعنَّا النظر فيما ترَكه لنا الإمام عبدالقاهر – طيِّب الله ثَراه – من تراثٍ بلاغي، لوجدناه قد أفسَحَ المجال للتجديد في البحث البلاغي، وترَك الباب مفتوحًا أمام كلِّ باحث مجدِّد مخلِص، وكان حريصًا على أن يذكر في أكثر من موضع أنَّ هذا الجهد الكبير الذي بذَله لا يعدُّ الكلمة الأخيرة، وأنَّه ليس في استطاعة أيِّ باحثٍ – مهما أُوتِي من حولٍ وطوْلٍ – أن يستقصِي مسائل الفن البلاغي، أو أنْ يدَّعي لنفسه العلم والإحاطة بذلك، أو أنْ يسدَّ بابَ الاجتهاد.
ومن ثَمَّ رأينا الأستاذ الإمام يختم بعضَ مباحثه البلاغيَّة بما يُؤكِّد هذا المعنى، فمثلاً نجدُه بعد حديثه عن أسرار حذف المفعول يقول: “وليس لنتائج هذا الحذف أعني – حذف المفعول – نهاية، فإنه طريق إلى ضروبٍ من الصنعة، وإلى لطائف لا تُحصَى”.


وفي نهاية بَحثِه للكناية والتعريض يقول: “وليس لشُعَبِ هذا الأصل وفُروعه، وأمثلته وصوره، وطرقه ومسالكه، حَدٌّ ونهاية”.
وفي حديثه عن العِبرة والتفصيل في دُروب التشبيه والتمثيل، يقول: “واعلَم أنَّ هذه القسمة في التفصيل موضوعةٌ على الأغلب الأعرف، وإلاَّ فدقائقُه لا تكاد تُضبَط”.
وهكذا نجدُ الإمام عبدالقاهر في بُحوثه البلاغيَّة كان من وقتٍ لآخَر يَمنحنا انطباعًا بأنَّ فرصة الكشف عن الجديد مهَيَّأة، بل مطلوبة.
إنَّ الزمان لَم يعقم، وإنَّ الحياة لا تَزال خِصبة مُثمرة، وإنَّ الطبيعة لَم ينقطع عَطاؤها بعدُ، وما يزال في أمة الإسلام خيرٌ كثير، وما زال بين عُلَمائها وأُدبائها مَن يستطيع التجديدَ والتطويرَ.


وقد وجدت عددًا غير قليل نادَى بتجديد البلاغة، ووضَع معالم لهذا التجديد، من هؤلاء الشيخ أمين الخولي، والشيخ عبدالعزيز البشري، والأساتذة: أحمد الشايب، وأحمد حسن الزيات، وأنيس المقدسي، والدكاترة: أحمد بدوي، وعلي العماري، وعبدالرزاق محيي الدين، وأحمد مطلوب، وعلى عبدالرزاق، وبدوي طبانة، وحفني شرف، ومحمد نايل، وكامل الخولي وغيرهم، كما وجدتُ في تقرير لجنة المعارف المصرية تخطيطًا كاملاً لمنهجٍ جديدٍ للبلاغة.
وقد عرضت كلَّ ذلك ناقِدًا ومفنِّدًا، كما عرضتُ لمعركة البلاغة التي قامَتْ على صفحات الرسالة، وبيَّنتُ ما لها من قيمةٍ وأثَر، وكيف أنها أثارَتْ قضيَّة التجديد من جديد.


ولأنَّ بلاغتنا الحبيبة تعرَّضت في العصر الحديث لهجومٍ ظالِمٍ خبيث باسم الإصلاح والتجديد، فقد عقدتُ بابًا عن البلاغة بين الدفاع والهجوم، وأوضحتُ وجْه الخطأ والصواب في كلٍّ.


ولأن إعجاز القرآن هو الهدف الأسمى من أهداف البلاغة وغاياتها، فقد عقدتُ الباب الأخير لبَيان ما جَدَّ من آراء في أوْجُه الإعجاز.
وإنِّي لآمُل أنْ أخرُج من هذه الدراسة بمنهج جديد صالح لبلاغتنا الحبيبة؛ يُبرِز جمالها، ويرضي عُشَّاقها، ويُسعِد دارسيها، ويُعيد إليها قُدرتها ومكانتها، وإنِّي لأعلَمُ أنَّ طريق البلاغة طريقٌ شائك مهجور، يسير فيه علماء البلاغة وحْدَهم بلا أضواء ولا جمهور، ومع ذلك فقد اختَرتُ هذا الطريق؛ لأنِّي منذ صِباي أحببتُ البلاغة، وأُعجِبت بأساليب البُلَغاء، وحَفِظتُ مختارات منها، وعندما أخذتُ في دراسة البلاغة صُدِمتُ – كما صُدِم الآخَرون – بكُتبها ومناهجها، ووجدنا فَرْقًا كبيرًا بين البلاغة التي نحبُّها ونحسُّها، وبين هذه الكُتب التي ندرسها، والتي إنْ صحَّ أنها صلحَتْ لعصرها، فهي بالتأكيد لا تَصلُح لعصرنا.


ولقد هاجَم بلاغتَنا مَن هاجَم، وأيَّدها مَن أيَّد، وأضاف إليها مَن أضاف، وانتقَص منها مَن انتقَص، فكان لا بُدَّ من وقفةٍ نُعِيد فيها النظَر، ونجيل الرأي، ونشخِّص الداء، ونستَقصِي الحقيقة، ونعرِض على بِساط البحث ما جَدَّ من آراء وبحوث ومناهج؛ علَّنا بذلك نستطيع أن نتبيَّن الرشد من الغَي في تجديد بلاغتنا، وما يحبُ أنْ تكون عليه في العصر الحديث.


من أجْل كلِّ ذلك كان هذا البحث: “التجديد في علوم البلاغة في العصر الحديث”.
وإني لأتقدم بوافر الشكر، وجزيل التقدير، إلى أستاذي الفاضل الدكتور علي العماري، على ما بذَلَه معي من جُهدٍ مخلص في الإشراف على هذه الرسالة، وقد كان لتوجيهاته القيِّمة، وملاحظاته الدقيقة، ومناقشاته العميقة، وإرشاده إيَّاي إلى الكثير من المراجع، كان لكلِّ هذا الأثرُ الكبير في استواء هذا البحث، وأداء هذه الرسالة.


الصِّراع بين القديم والجديد هو قضيَّة الزمن، ودَيْدَنُ الحياة، وتجديد البلاغة العربية قضيَّة طالَ عليها الزمن دون أنْ نبتَّ فيها برأي، فعلى كثرة مَن تكلَّموا وكتبوا في تجديد البلاغة، نجدُها ما زالت تدورُ في فلك السكاكي ومدرسته، ولقد جَرَتْ محاولات في العصر الحديث للتخفيف من حِدَّة كُتب البلاغة القديمة، وصياغتها في أسلوب جديد يميلُ إلى البساطة والوضوح.
ونحن لا ننقص من قَدر هذه المحاولات ومَن حاوَلوها، ولكن نقول: إنَّ هذه المحاولات لَم تُثمِر ثمرتها المرجوَّة، فما زالت الكتب الحديثة في البلاغة تدورُ في فلك علم الكلام، ومنهج السكاكي.


وإذا كانت البلاغة العربيَّة من أجَلِّ العلوم قَدْرًا؛ لأنَّ ثمرتها – كما يقول ابن خلدون – فَهْم الإعجاز وإدراكه، وأيضًا لأنَّ دراستها تُفتِّق الذِّهن، وتربِّي الذوق، وتدرِّبه على الرقَّة والدقَّة؛ حتى يميز بين الجيِّد والرديء من الكلام، إذا كانت البلاغة بهذه الأهمية دينيًّا وتربويًّا، فإنَّ من واجبنا صيانة هذا التراث البلاغي، والعمل على تداوله وازدهاره، وبما أنَّه ليس تُحَفًا وأحجارًا كريمة؛ فيجب العمل على تجديده وتطويره بما يُرغِّب في الإقبال عليه وتداوله.
إنَّنا لسنا أعداءً للبلاغة القديمة، ولكنَّنا أعداءٌ لِجُمودها وتأخُّرها، ولا يُرضِينا أبدًا ما تعانيه بلاغتنا الحبيبة من زهدٍ فيها، وانصرافٍ عن درْسها، ورغبة الأدباء والنُّقاد عنها.


ونتيجة لإهمال تجديد البلاغة، وإخفاق تدريسها للأجيال القريبة الماضية، ظهَر كُتَّاب وشعراء هبطوا بالكتابة والشعر، ونزَلوا بالأدب العربي عن عَرشِه، فسمعنا وقرأْنا الشعر الحديث، تُقلِّبه فلا تدري إن كان شعرًا أو نثرًا، ثم هو بعد ذلك أعجمي الرُّوح، غربي الملامح، لا أثَر له، ولا بريق فيه، ولَم نَعُد نسمع في مجال الأدب والصحافة إلاَّ منكرًا من القول وزورًا، وأكاد أجزم بأنَّ كلَّ ذلك أثرٌ من آثار إهمال البلاغة، والقُعود عن تجديدها، بل إني لا أبالغ إذا قلت: إن افتقادَ الشخصية العربية، أو ضَعفها واهتزازها في أعين القوميَّات الأخرى، إنما هو أيضًا أَثَرٌ من آثار إهمال البلاغة، وعدم نجاح تدريسها لأجيالنا المتعاقبة، فعَظَمَة الإنسان العربي مرتبطةٌ إلى حدٍّ كبير بفصاحته وبلاغته، فالمرء بأصغريه، والإنسان – كما يقول علي بن أبي طالب – رضِي الله عنه -: المرء مخبوءٌ تحت لسانه، حتى إذا نطَق أفصَح عن عَظمته أو نُقصانه.


فاللسان هو الذي يُوضِّح عظمة الإنسان، وهو في الوقت نفسِه جزءٌ من هذه العظمة؛ لأنَّ البلاغة ليستْ في اللسان فقط، بل هي في الفِكر والعقل، قبل أنْ تكونَ في اللسان والبَيان، فسُموُّ التعبير جزءٌ من سموِّ التفكير، وسموُّ التفكير والتعبير سموٌّ للشخصيَّة، والبلاغة لها دخْل كبير في ذلك.
وليس من المجهول أنَّ هناك أياديَ خفيَّةً مجنَّدة من قِبَل الاستعمار الثقافي والغزو الفكري، تريد أنْ تَقضِي على الفُصحَى وآدابها وبلاغتها، لتقضي بالتالي على دينها وقرآنها، ولتمحو الشخصية العربية المسلمة من الوجود، فلا يبقى أمامَ استغلالها واستعمارها مجابهة ولا مقاومة.
من أجل كلِّ ذلك؛ فإنِّي أرى أنَّ تجديد البلاغة والنهوض بها أصبح واجبًا قوميًّا ودينيًّا في آنٍ واحد، وهو واجب الجامعات العربيَّة أولاً، ثم المجامع العلميَّة والهيئات الثقافية ثانيًا.


ومن أجل كلِّ ذلك أيضًا؛ كان إقدامي على هذا البحث في تجديد البلاغة، ولقد اقتَضَى هذا البحث أنْ نُقسِّمه إلى مقدمة، وتمهيد، وخمسة أبواب، وخاتمة، وفي المقدمة أوضحتُ موضوع هذا البحث، وظروفه ودواعيه، وبيَّنت في إجمالٍ حال البلاغة قديمًا وحديثًا.


وفي التمهيد تحدَّثتُ عن نشْأة البلاغة وتطوُّرها، وبيَّنت مدارسها وخَصائص كلِّ مدرسة، ثم تحدثتُ عن صِلة البلاغة بالعلوم العربيَّة الأخرى ومكانتها بين هذه العلوم، ثم تتبَّعت مسيرة البلاغة حتى مرحلة نُضوجها على يد الإمام عبدالقاهر، ثم استِقلالها على يد السكاكي، ثم جُمود البحث البلاغي بعدَه حتى العصر الحديث، وأوضحتُ كيف أنَّ البلاغة أصبحتْ في حالةٍ ماسَّةٍ إلى التجديد.


وهذا التمهيد في الواقع كان يستحق وحده أنْ يكون بحثًا مستقلاًّ، فهو مسيرة طويلة من البلاغة في عصورها المتعاقبة، منذ تكوَّنت جُذورها الأولى، حتى وصلتْ إلينا في العصر الحديث، وهو تمهيدٌ كان لا بُدَّ منه؛ لمعرفة القديم وتصوُّره، وعرْض آراء المتقدمين والمتأخِّرين فيه، قبل أن نُقدِم على دِراسة الجديد ونقلِّب فيه وجهات النظَر، فأوَّل التجديد قتْل القديم فَهمًا، وقد كنت أحاذِر في هذا التمهيد الإطناب الْمُمِل، والإيجاز المخِل، وهي مهمة ليست باليسيرة في مثل هذا البحث الدقيق.


ولقد كان للتجديد بوادِرُ ومقدِّمات، كما كان له مقاصد واتِّجاهات؛ ولذلك كان الباب الأول: “بوادر التجديد واتِّجاهاته في العصر الحديث”، وقسمتُ هذا الباب إلى فصلين: تحدَّثت في الفصل الأول عن التجديد ومفهومه وبوادره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.