جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

الإحساس القديم/عبدالوهاب مطاوع

0 19

الإحساس القديم

عبدالوهاب مطاوع

من أرشيف بريد الأهرام للكاتب عبد الوهاب مطاوع (رحمه الله)

أنا سيدة في السادسة والثلاثين من العمر, كنت فتاة جامعية جميلة ومحاطة دائما بإعجاب الآخرين وألفت انتباههم علي الفور,

لكني كنت كذلك ملتزمة ومحترمة في تصرفاتي ومتفوقة في دراستي ولم أسمح لنفسي بإقامة أية علاقة عاطفية مع أي شاب

إلي أن تخرجت وتقدم لي أحد أقاربي وتزوجته وأنجبت منه ولدا وبنتا وعشت معه 10 سنوات لم أغضبه خلالها مني يوما واحدا.

ورضيت بحياتي معه بالرغم من طعمها الفاتر المليء بالواجبات والحقوق فقط,

ثم توفي زوجي فجأة في حادث سيارة وترك لي المسئولية كلها فتحملتها راضية ورفضت عروض الزواج التي عرضت علي طوال خمس سنوات بحجة الأبناء,

إلي أن تعرفت بزميل لي في العمل كان مطلقا ولديه طفل,

وتزوجت مطلقته بعد انفصاله عنها, وسافرت مع زوجها إلي الخارج تاركة ابنها في رعاية والدتها.

وتعمقت علاقة الزمالة بيننا

فأحسست بقلبي يتحرك تجاهه ووجدتني أعرف الحب لأول مرة في حياتي وأنا في الثالثة والثلاثين من عمري,

وأصبحت لا أري في الدنيا بأسرها سواه, وكان هو أيضا قد أحبني بشدة فعرض علي الزواج ورحبت به بالرغم من معارضة أهلي الشديدة لهذا الاختيار بسبب ظروف زميلي الاجتماعية وتم الزواج وعشت مع زوجي أجمل أيام حياتي.. وعرفت لأول مرة أياما مليئة بالسعادة والهناء وحرارة العواطف وكان يرعي أبنائي ويهتم بهم ويعتبرونه أبا لهم.

وبعد ثلاث سنوات من هذه السعادة الخالصة رجعت مطلقة زوجي من الخارج بعد أن طلقها زوجها الثاني وأساء معاملتها في الغربة, وبدأت تستعطف زوجي لكي يعيدها إلي عصمته من أجل الولد.

وشعرت بتغير زوجي وانشغال فكره ولاحظت خروجه الدائم وسألته عما غيره, فصارحني بكل شيء, وقال لي إنه يفكر بالفعل في إرجاع مطلقته من أجل ابنه, ولكن في مسكن آخر ومع استمرار حياتنا معا.

فانهرت ولم أشعر بنفسي إلا وقد نقلت إلي المستشفي, حيث أمضيت أسبوعا فيه,

ولم يقصر زوجي في واجبه تجاهي وأعانني علي الخروج من أزمتي النفسية والصحية ورعي أبنائي خلال غيابي في المستشفي

وعدت إلي البيت وعادت السعادة إلي حياتنا مرة أخري,

وراح زوجي يحاول إرضائي بكل وسيلة لشعوره بالذنب تجاهي,

لكنني وبعد شهور قليلة فقط عاودني نفس الإحساس القديم بتغير زوجي مرة ثانية,

وشعرت بالخوف والقلق من جديد, وتحريت الأمر فعرفت أن زوجي قد عاود التفكير من جديد في إرجاع مطلقته

وأنها تستدر عطفه بالولد الذي بدأ يفكر في الأمر..

ولم أصارح زوجي هذه المرة بما علمته عنه خوفا من إغضابه وخشية لأن أدفعه بطريق غير مباشر إلي هذا الطريق..

فماذا أفعل ياسيدي.. وبماذا تنصحني ؟

ولكاتبة هــذه الرسـالة أقــــول (رد الكاتب عبد الوهاب مطاوع) :


مما يساعد الإنسان علي تجنب المعاناة أن يحسن فهم أوضاعه.. ويقدر أسباب قوته تقديرا سليما لا مغالاة فيه ولا إجحاف..

وعلي ضوء هذه القاعدة فلابد من الإشارة الي أن مايربط زوجك بمطلقته ثابت وهو طفله سواء أعادها إلي عصمته أم صمد لاستعطافها له

واكتفي بك دونها,

في حين أن مايربطه بك أنت متغير وهو الحب والسعادة الزوجية معك..

ولهذا فلسوف تجدين نفسك علي الأرجح وخلال وقت ليس ببعيد أمام خيارين أحلاهما مر,

الأول

هو ان تقبلي بأن يعيد زوجك مطلقته إلي عصمته في مسكن خاص بها لكي ينشأ طفله بين أبوين يحدبان عليه ويظلهما معا سقف واحد,

والثاني

هو ان ترفضي هذا الوضع وتفضلي الانفصال عن زوجك إذا أعاد مطلقته إليه,

وتكتفي من تجربة الحب والسعادة وحرارة العواطف بما أتيح لك من أعوام الزواج الخالية من الأكدار.

ولست أري في الأفق مهربا من هذين الاختيارين مادامت مطلقته قد فشلت في حياتها الزوجية الأخري

وتتطلع لاستعادة والد طفلها وتستدر عطفه بالرابطة الأبدية التي تجمع بينهما وهي هذا الطفل,

إذ سوف يستمر النداء قويا وقاهرا للأب لكي يعود إلي مطلقته ويرعي معها طفلهما الوحيد.

وحتي إذا حملت أنت منه الآن وأنجبت وهو ماسوف يرفضه غالبا زوجك فإن ذلك لن يحل المشكلة وإنما سوف يزيدها تعقيدا..

ويضاعف من تمزق زوجك بين نداء الواجب الإنساني تجاع طفله من مطلقته وبين نداء نفس هذا الواجب تجاه طفله منك وتجاهك..

وليس في ذلك مايبشر بأي انفراج حقيقي للأزمة.. بل إن فيه ماينذر بالفعل بازدياد معاناة الجميع بلا طائل.

أما التمسك بالأمل المعذب

في إبعاد شبح عودة زوجك لمطلقته, واستمرار السعادة الصافية معه, كما كان الحال قبل ظهورها في الأفق,

فإنه أمل حسير لن يجدي التعلق به إلا المزيد من معاناتك وتسمم أوقاتك بالخوف والترقب ومحاربة أشباح مجهولة تنذر بالانقضاض علي سعادتك في أية لحظة,

كما لن يختفي شبح هذا الخطر من حياتك إلا إذا وضعت الأقدار في طريق مطلقة زوجك رجلا آخر يبني بها وتسعد معه, وتكف عن التطلع لاستعادة زوجك إليها.

هذا هو الموقف الذي تواجهينه الآن ياسيدتي,

ولقد يكون من المفيد في بعض الاحيان لكي يتخفف الإنسان من مخاوفه من المجهول أن يسلم نفسيا بأسوأ الفروض ويتهيأ للتعامل معها..

فإذا تحققت كان مستعدا للتكيف معها والتخفف من بعض آثارها..

وإن لم تصدق التوقعات فإنه يكون قد نجا مما تحسب له..

وفاز بسعادته المرجوة.. فهل أنت علي استعداد لذلك ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.