جريدة النجم الوطني

إنها الموضة !!

0 62

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بقلم/ سمر محمود

* مما لا شك فيه، أننا جميعا نحب الظهور بمظهر لائق ومُشَرِّف دائما، وحسن اختيار الثياب والألوان فن رفيع، ونعمة من الله يعطيها لمن يشاء، والله سبحانه وتعالى يحب أن يرى نعمته على عباده، كما قال تعالى:” وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ”، [الضحى:11]،
وفي حديث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ”. رواه مسلمٌ.
– ولكن يفتقد البعض نعمة الذوق الرفيع في اختيار الملابس والألوان المحببة لديهم، فيلجأون إلى تقليد المشاهير، وخصوصاً المشاهير الأجانب في موضاتهم وكل حركاتهم إلى أن أصبح التقليد ظاهرة مُخيفة، وجزء من شخصية العديد من الناس، وأصبح تقليدهم أعمى، يمشون وراء من يحبون من المشاهير دون تفكير، كالمُنومِين مغناطيسيا!.
– رغم أن رسولنا الكريم نهانا عن التشبه بالغير، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا”، وقال ابن مسعود شارحاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ..)، حيث قال:” لا يكوننَّ أحدكم إمَّعة، قالوا: وما الإمَّعة، يا أبا عبدالرحمن؟ قال: يجري مع كلِّ ريح!”.

– ولكن في الواقع ما يحدث عكس ذلك تمامًا، فأغلب المراهقين والشباب من الأولاد والبنات، يقلدون الغرب في كل شىء سلبي، بدءًا من المظهر الخارجي في الملبس وتصفيف الشعر وحلق اللحية، مرورا بالحركات والتقاط الصور الفوتوغرافية، وممارسة الرقصات وسماع الأغاني الأجنبية رغم عدم فهم أغلب الكلمات، إلى أن وصل الحال للتخلي عن لغتهم الأصلية فقلدوهم في لغة الحوار أيضاً، فما أن يظهر ممثل أو لاعب كرة أجنبي بقصة شعر أو برداء معين، إلا ويلهث الشباب والمراهقين من العرب وراءه لتقليده على الفور، وما أن سألتهم عن السبب، يقولون لك:” إنها الموضة !!”


حتى أصبح البعض يبالغ كثيرًا في مظهره ويحرص على التشبه التام بالأجانب!! وهذا ما حذر منه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حين قَالَ:” لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ … “رواه البخارى.

– ولكن لماذا التقليد والتشبه بالغير؟ ما السبب الحقيقي وراء اندفاع الشباب من العرب إلى تقليد الشباب من الغرب؟
ـ هل غياب القدوة ؟
– هل الجهل بتعاليم الدين ؟
– هل افتقادهم للهدف الحقيقي في حياتهم؟
ـ أم الفراغ والتدليل الزائد، وعدم تحملهم للمسؤلية؟
– أم لمعتقدهم بأن تقليد الغرب من التحضر؟
– لماذا التقليد؟ وقد حرص الإسلام على أن يميزنا كمسلمين عن غيرنا، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا جدًا على مخالفة غير المسلمين وعدم التشبه بهم في كل شيء، بدءا بالعبادات وحتى المظهر الخارجي، فخالف كل من اليهود والأعاجم من الفرس والروم؛ لأن التقليد ضعف شخصية من المُقلد وقلة هيبة، يقول ابن خلدون في المقدمة: “أن التابعين غالبا ما يشعرون بالنقص إزاء المتبوعين، ولذلك فهم يعجبون بشخصيتهم، فتراهم يندفعون بلا روية، ولا تفكير، ولا نظر في عواقب هذا التقليد فيندفعون إلى محاكاتهم في كل شيء”.

*أين نحن من حالنا قديما عندما كُنا متبوعين من قبل الغرب!؟ .
– ذكر (المؤلف/ محمود محمد الحويرى)، أستاذ تاريخ العصور الوسطي، في كتابه (الأوضاع الحضارية فى بلاد الشام فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر من الميلاد: عصر الحروب الصليبية)، أنه في زمن مجد المسلمين، كان شباب أوروبا قديماً يأتون إلى بلاد الأندلس؛ لتلقي العلوم الحديثة على أيدي العلماء المسلمين، الأمر الذي جعلهم يتعلمون اللغة العربية أولًا، وعندما يُتموا هؤلاء الشباب الأوروبيون دراستهم ويعودون إلى بلادهم يفتخرون أمام زويهم، بأنهم درسوا في بلاد المسلمين، فيخلطون كلامهم ببعض الألفاظ العربية. الأمر الذي أدى إلى نسيان هؤلاء الشباب لغتهم اللاتينية الأصلية.


– ولم يقتصر الأمر على اللغة العربية فحسب، فقد تطرق الأمر إلى المظهرالخارجي أيضاً من الزي والشكل العام وإطلاق اللِحًى، فقد حرص شبان أوربا قديمًا في العصور الوسطى على ارتداء الأزياء التي تميز المسلمين وقلدوهم في عاداتهم، حتى قال أحد الكَُّتاب الأوروبيين وهو (ستيفن رانسيمان(، ناقدا ذلك في كتابه ( تاريخ الحروب الصليبة) قائلا: “كانت النساء الصليبيات يقلدن المسلمات في لبس الحجاب الذي يضفي على المرأة الحشمة والوقار، وإذا لم يكن الفارس في عدته وسلاحه ارتدى سترة من الكتان، كما جعل على خوذته كوفية على نحو ما يفعل العرب، كما أطلق بعضهم لحاه تشبها بالمسلمين، واستعمل النعال التي يستعملها المسلمون في بيوتهم، ومن الملوك الصليبين من سك النقود وعليها صورته بزي عربي، ومنهم من استبدل ثيابه الغربية بأخرى شرقية وأرسل لحيته “، فقد كان الزي العربي علامة على الوجاهة والتحضر والرقي الثقافي والأخلاقي والحضاري.


– وكذلك تعلم الأوروبيون النظافة من المسلمين فقلدوهم في حرصهم على نظافة أجسادهم، وقد عقدت المستشرقة الألمانية (زيجريد هونكه) مقارنة بين الحضارة الإسلامية في ذلك الوقت وبين حال أوروبا والغرب في هذا الصدد، فقالت: “إن الفقيه الأندلسي الطرطوشي خلال تجواله في بلاد الفرنجة صادفته أمور تقشعرُّ منها الأبدان، فهو المُسْلِمُ الذي فُرِضَ عليه الاغتسال والوضوء خمس مرات يوميًّا، فقد قال إنهم أي الفرنجيون لا ينظِّفُون أنفسهم، ولا يستحمُّون إلاَّ مَرَّة أو مرتين في السَّنة !!،
– وهذا (سلفستر الثاني بابا فرنسي)، كان منبهر جدا بالمسلمين وثقافاتهم وعلومهم، حتى أنه قال: “إنه لمن المعلوم تماما; أنه ليس ثمة أحد في روما له من المعرفة ما يؤهله لأن يعمل بوابا; لتلك المكتبة – يقصد مكتبة الخليفة المسلم في القاهرة، والتي كانت تحوي على مليونين ومئتين من المجلدات- وأنَ لنا أن نُعلِم الناس ونحن في حاجة لمن يٌعلمنا، إن فاقد الشيء لا يعطيه !!”.

ـ هذه أمثلة بسيطة توضح كيف كان حال أوروبا مع المسلمين عندما كانوا حريصين على التمسك بدينهم ومعتزين بمبادئه، وقد صدق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما قال :”نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله”، لذلك علينا ان نعتز بأنفسنا ولا نلهث وراء الغرب وموضاتهم.

ـ وان غابت القدوة فكن انت القدوة لمن غيرك، كن قدوة حسنة بعلمك وثقافتك ولغتك ومظهرك، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، أقتدِ به واقتفِ اثره، اقرأ سيرته صلى الله عليه وسلم وتعلم منه، كيف كان يواجه الحياة وصعوباتها.
ـ تحلى بروح المبادرة كما اتصف الرسول بالتميز والانفراد والمبادرة.


ـ ابحث عن مواهبك ونميها.
ـ تعلم مهارات جديدة تفيدك وتنفع بها غيرك.
ـ اجعل لحياتك هدف حقيقي تسعى إليه.
ـ املأ وقت فراغك بالعلم والمعرفة، بالقراءة، وحضور اللقاءات الثقافية والندوات وما أكثرها.
إذا فعلت ذلك حقاً، فلن تشعر أبداً انك بحاجة لتقليد أحدا، وقتها ستفتخر أنك أنت، لا تعيش إلا حياتك أنت، وستشعر أنك لا تفعل شيئا إلا وانت مقتنع به، ليس لأنه تقليدًا لأحد أيا كان. ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن التحضر ليس في تقليد المتحضرين، ولكن بمنافستهم..

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.