جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

إلى أحلام مستغانمي /رحيم جماعي

0 18

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

إلى أحلام مستغانمي : وَقاكِ الّله شَرَّ السّلام.


(1)
عادة ما يبدأُ سكّان الأرض ، هؤلاء الآدميّن طبعا ، مراسيلهم ولقاءاتهم بالسّلام ، لكنّني في السّنوات الأخيرة ، وأنا أتقدّم في السّنّ والخوف والهزائم ، أصبحتُ أَحْتَرِسُ كثيرا من لفظة السّلام ، أحترس مِنَ النّتيجة الدّمويّة ، لِفِعْلِها الإِرْتِداديّ الشّنيع…
السّلام…
هذه الّلفظة المشتهاة لدى العالمِين ، لكن كلّما سدّدها أحدهم نحوي ، أَيْقَنْتُ أنّه سيفترسُني بشراهة ذئب ، على مائدة الفطور…
أو كلّما هَمَمْتُ بتسديدها خصوصا نحو أحبابي ، تراجعْتُ مَخافة أن يصيبهم سلامي بِرِيحٍ مشبوهة ، تعبثُ بحيواتهم ، فتُحوّلُهم إلى كائنات مِنْ قَشٍّ وغُبار…
فباسم لفظة السّلام ، باسمها المُفدّى ، تُشَنُّ الحروب بلا هوادة ، لِتسيل دماء العُزّل والأبرياء ، فتنتشر المجاعات والأوبئة ، وهكذا تُخَرَّبُ الأرض تخريبا شنيعا ومُتْقنا…
إنّ هذا الآدميّ الحديث ، أَوِ المعاصر ، أو الجديد ، يجتهد بوحشيّة لإفراغ ذاته مِنْ إنسانيّته ، ليتسبّب في انقراض الحياة الوحيدة العاقلة (إلى حدّ هذه الّلحظة) في هذه المجرّة…
فَقَدْ كنتُ دائما ومازلتُ على يقين خَفِيّ ، بأنّ هناك حياة أخرى خارج الأرض ، إِذْ ليس مِنَ المعقول ، أنّ كلّ تلك الملايين مِنَ النّجوم والكواكب ، خالية تماما مِنِ السّكّان ، ودليلي الوحيد على وجود كائنات تسعى حُرّة هناك ، أو…هناك ، هو تلك الرّسائل الغامضة ، الّتي أصغي إليها عندما أكون وحيدا ، وأنا عادة ما أكون وحيدا ، خصوصا بعد أَنْصاف الّليالي ، وعندما أكون (صُحبة أصدقائي)…
إنّها رسائل حسّيّة مُذهلة ، تسلب منّي الشّعور بكلّ ما حولي…
ورسائل أخرى صوتيّة نادرة ، تهمس بذلك الغموض المُثير ، لكنّها لا تقول شيئا ، سوى أنّنا لسنا وحدنا ، هناك جيران لنا ، بعيدون أو قريبون لا يهمّ ، المهمّ أنّ لدينا جيرانا عاقلين ، وطالما أنّهم عاقلون ، فَهُم مسالمون بالفطرة…
إنّني أفكّر بهذا دائما ، ولا أبوح به ، خوفا من ٱتّهامي بالجنون ، فالآخرون ، أو معظم الآخرين ، لا يفعلون شيئا ، سوى توجيه التّهم عشوائيّا إلى الكائنات…
نعم ، هذا هو ببساطة شعوري الغامض ، الّذي لا يَسْتَنِدُ إلى حقيقة أو دليل ، سوى أنّه شعور حادّ ، شعور على غاية من الحِدّة ، وأنا سأتْبَعُه دائما ، لأنّني أحبّ الحياة ، الّتي لا يجب أن تَخْلُو من جيران ودودين ، قد أُفْلِحُ في العثور بينهم ، على أَحِبّة خُلَّص…
أَرَأَيْتِ كَمْ أصبحَ العثور على أحبّة ، فوق هذه الأرض العزيزة صعبا ، ويكاد يكون مستحيلا ، كالإمساك بالرّيح ؟
أرأيتِ مَدى التّشوّه الّذي أصاب أعماقي ، جَرّاء ٱفتقادي لأحباب صادقين ؟
ومع ذلك فإنّ حبّيَ المَرَضيّ لأُمِّنا الأرض ، وخوفي المسعور عليها ، (مَنْ أنا حتّى أخاف على الأرض ؟) ، يدفعُني عادة إلى نسيان حَدسي ، والكَفّ عن التّفكير المهووس ، بما يحدث هناك في السّماوات البعيدة…
إنّ أحبابي القُدامى هنا ، على هذه الأرض ، وإنّي أخاف عليهم من لفظة السّلام ، الّتي انقلبتْ معانيها النّبيلة في هذه الأيّام الكبيسة ، ومع ذلك أبدأُ رسالتي بالسّلام ، وأقول :

- Advertisement -

  • سلاما سيّدتي الرّائعات في واحدة…
    سلاما أو…حَماما.
    (2)
    أنتِ يا سيّدتي هناك في قلب بيروت ، ، في قلبها تماما…
    بيروت -الّتي رغم كلّ شيء- ، لم تزل حلما بديعا ، يعصف بِأَخْيِلَةِ الّذين تستبدّ بهم دائما رغبات طاحنة ، في التّرحال إلى جهات الأرض ومدائنها…
    وأنتِ فيها تماما ، في بيروت ، تستمتعين كطفلة مهذّبة ، بذلك الحبّ الطّاغي ، الّذي يغمرك بفيْضِه قُرّاؤُكِ المتلهّفون للمزيد من المتعة والفرادة والجنون…
    وأنتِ في قلب بيروت ، تكتبين عن الحبّ والجنون والثّورة…
    الحبّ المُلتهب الّذي شُوِّهَت ملامحه الحُسْنى في هذا الزّمن المتعفّن ، فَغَدَا مُرادِفا تماما للكُرْه والحقد والضّغينة ، حتّى أنّني أصبحتُ أفكّر هكذا :
    عارٌ على القلب أن يهوى أحِبَّتَهُ…
    وتكتبين عن الجنون الّذي طوّح بمُعْتَنِقيه بعيدا جدّا ، حتّى ضلُّوا سُبُلَ العودة مِنْ حيث أُصيبوا…
    الجنون النّبيل الّذي كلّما تدخّلَ في شؤونِهِ العقلُ أَفسَدَهُ…
    الجنون الّذي تشابَهَ فيه الجميع ، حتّى ساءت أحوالُه وملامحه ومقاصدُه في هذه الأيّام ، الّتي طالت أعْناقُها كالسّنوات الكبيسة ، فَغَدَا مُعادِلًا تماما للقَرَفِ والشّذوذ…
    وتكتبين عن الثّورة المقدّسة الخالدة ، الّتي أَباحَها سماسِرَتُها لأعدائها…
    إنّني أفهم جرحَكِ الدّامي المُنَدّى ، فَقَدْ قدَّمتِ الجزائر العظيمة مليونا ونصف من الشّهداء ، وهذا الرّقم المَهُول يكفي ، لِنُدْرِكَ مدى قداسة الأوطان ، ومع ذلك مازالت الجزائر تدفع الثّمن غاليا جدّا…
    أقول هذا وأنا أُصغي إلى كلّ خائن يتباهى معترفًا :
  • نعم أنا خائن وقذر ، فَلْتَحْيا الخيانة ، والمَجْدُ كلّ المجدِ للسّيّدة القذارة.
    سلام إذن ، على الأوطان المغدورة ، وأَيْنما حَلَّتْ خُطى الإنسان النّبيل…
    سلام على أوّل الشّمس ، تُعَرِّي عورات أبناء الّذين (…) ، وأبناء الّلواتي (…)…
    سلام على الرّيح تعبث بأثوابهم ، وتجعلهم كالفضائح…
    سلام على الرّجال/الرّجال…
    سلام على النّساء/النّساء…
    سلام على الأطفال سيكبرون ، ويستردّون حبيبتهم…
    سلام…عليكِ.
    (3)
    وأنتِ في قلب عروس المدائن ، في بيروت…
    وأنا هنا ، في قلب جنوب تونسيّ ، في قلبه تماما…
    جنوب لا شيء فيه يبدو حيّا وحقيقيّا ، سوى إبنتي وَالْ…موت ، وبعض الوجوه البعيدة ، (وجهكِ مثلا)…
    بعض الوجوه لا تزورني إلّا لِماما ، تأتي في شكل أَطْياف عليها علامات التّعب ، وعلامات الفقدان لأحبابها…
    وجوه أخرى تُطِلّ كأَشْنَعِ ما يكون الحزن ، ذلك الحزن الفاخر في قداسته ، ذلك الحزن النّبيل…
    ثمّ وجوه مُحايِدَة ، قامت بدعوتها روحي وذاكرتي ، تَعْبُرُ أمامي فلا تلتفت ولا تلقي التّحيّة ، كأنّني أيّ (شيء) لا يُثير الإهتمام ، أو كأنّني لستُ موجودا أصلا…
    أَمّا أحلى الوجوه ، أحلاها وأقساها على الإطلاق ، هي تلك الّتي تبدو كأطياف حزينة ، تَحُومُ كالخيول النّافرة، حول مرابطها الأولى…
    وجوه تُخْطِئُها جميع الحواسّ ، وحدها الحاسّة السّابعة تدركُها…
    وجوه تُومِىءُ من بعيد ، ولا تقترب أبدا…
    تلك الوجوه العزيزة الغالية ، أنا سوّيتُها من طينة الرّوح ، ومن ضوئها الأزرق الشّفّاف ، ثمّ أطلقتُ سراحها كَيْ تَهيم…
    وجوه عديدة تزور وتمضي مثلما جاءت ، وتُخلّفني خَلْفَها حُطاما…
    لقد أَنْفَقْتُ أكثر من نصف عمري ، في انتظار وجوه هَدَّتْها الحوادث والسّنوات ، ولا أمل يُرْجى منها ، سوى الخراب العميم ، الّذي تَدُسُّه في روحي ، كما يَدُسُّ الفدائيّ عبوة ناسفة ، في سوق شعبيّ مُعادي…
    ولا شيء يَسُدُ هنا ، سوى إبنتي والموت…
    فمنذ أيّام فقط ، ودّعتُ بالموت شيخا حكيما ، كان يمكن أن يكون صديقي ، لو أنّني اقتربتُ منه قليلا فقط…
    وها أنا أتحسّس مسامير النّدم ، تُدَقُّ في روحي ، كأنّني خُنْتُ صاحبا ، أو قتلتُ بريئا ، أو خنقتُ عصفورا…
    عَجَبًا…لقد كَفَفْتُ عن السُّكْر والتّدخين ، وتعلّمتُ النّدم…
    ومع ذلك مازلتُ حيّا ، وهذا ما أُسمّيهِ بِ : قِلّة الأدب ، ويسمّيه (الآخرون) بِ : الشّماتة…
    أنا كاتب ، لكنّني لم أَغْنَمْ من الكتابة سوى النّكد ، وقلّة النّوم ، والأعصاب النّافرة دوْما ، وقليلا من المتعة ، وكثيرا من الْ…فَقْر…
    لم أغنم من الكتابة سوى محبّة عظيمة ، لأصحاب ذائقة موفورة الصّحّة ، وعالية الجودة…
    كما غنمتُ حقدا ذابحا ، لأصحاب ذائقة هابطة ، لها طَعم الرّماد ، ورائحة المستنقعات…
    لم أغنم من الكتابة سوى الأحزان ، والحيرات ، والشّكّوك والجنون…
    ومع ذلك يَسْتَكْثِرُ عليّ بعض (الآخرين) ، إقامتي القصيرة على هذه الأرض الّتي أحبّ ، ويتوهّمون أنّني أُشَكِّلُ زحمة في هذا الإتّساع الهائل ، الّذي تُوفّره لنا أُمُّنا الأرض…
    أعلم أنّني مُهِمّ جدّا في حياة الكثير من النّاس ، وأعلم أنّني سأكون مُهِمّا جدّا في حياة ، سأذهبُ على جناح الكتابة إليهم ، أو سيأتون على جناح القراءة إليّ…
    كما أعلم أنّني لستُ شيئا يُذْكَر ، ولن أكونه أبدا لدى الكثير الكثير من النّاس…
    كلّ هذا أعلمه جيّدا ، لكنّني لستُ أدري أين الإساءة منّي في كلّ هذا ؟!
    لماذا هؤلاء الآدميّون لا يكفّون عن الإزدحام ، حتّى لا يضيقوا بأنفسهم ؟!
    لماذا والعالم أوسع مِمّا تراه العيون ، وتتصوّره الأخيلة ؟!
    لماذا نخجل من مَنْحِ بعض السّعادة للآخرين ، بالإبتعاد عنهم قليلا ؟!
    لماذا نُفْرِغُ أماكننا المشتهاة من الهواء النّقيّ ، ونَمْلَؤُها بالنّكد ؟!
    كان يمكن أن نكون سعداء بحقّ ، لو أنّنا أخذنا حِصَصَنا من الأرض والحياة ، (حصصنا فقط) ، وتَرَكْنا حِصَصَ العالمين للعالمين…
    كان يمكن ذلك ، لو لم نكن جَشِعِين ، ومشحونين بالطّمع والنَّهَم.
    (4)
    سيّدتي الغالية :
    أنا كائن لمْ أُدرّب ذاكرتي أبدا على طُرُقات العودة ، فكلّ الطّرقات الّتي مشيتُها ، قطعتُها إلى آخرها…
    كنتُ أقطعُها ، حتّى ولو كنتُ على يقين من أنّ الموت كامِنٌ في نهاياتها…
    إنّه العناد المُميت الموروث ، وهكذا كان أبي…
    لكن أحزاني العنيدة ، مشدودة عادة بِحَبْلٍ وَثيق إلى الذّكريات…
    إنّني أملِكُ ذاكرة قُدَّتْ من أحزان نقيّة خالصة…
    وقد كتبتُ منذ أكثر من شهر إلى شاعر تونسيّ صديق ، أحدّثه عن جَوادٍ نَحيل ، يقف وحيدا في قلب مقبرة صحراويّة قديمة بالجنوب التّونسيّ…
    ورغم نُدْرَةِ الخيول هنا ، فإنّني منذ أيّام فقط ، كنتُ أسعى في أوّل الصّباح ، نحو غابة نخيل قريبة…
    أسعى حُرّا إلّا من حزني ، ومِن رغبات ابنتي المِلْحاحة…
    كنتُ أسعى…
    حتّى تعثّرَتْ عيناي بجواد حزين ، يقف على يمين المَسْلَكِ الرّمليّ ، المُؤَدّي إلى اتّساعات الصّحراء…
    جواد عربيّ رشيق ، وصقيل القامة وجميل ، لكنّه مُنَكَّسَ الرّأس ، ودامع العينين…
    كان يبدو أنّه فَقَدَ الرّغبة حتّى في الحركة ، فَقَدْ كان وليمة باذخة للذّباب ، الّذي غطّى كلّ هيكله تقريبا ، لكنّه لا يَهُشُّ عليه ، ولا يفعل شيئا ، سوى الوقوف كنخلة ميّتة…
    ذابِحٌ حَزْنُ الخيول…
    قلتُ : ربّما كان (المتنبّي) ، يقف هناك محترقا في طموحه القاتل ، ومَخْذولا كعادته بِ(سيف الدّولة) ، و (كافور الإخشيدي)…
    وربّما كان (محمّد شكري) ، يَتَلَوَّى من فرط العذاب ، الّذي يتكبّده في حُبّ (طنجة) الّتي حَرَمَتْه من التّرحال…
    وربّما كان (معين بسيسو) ، الّذي قضى عليه حلمه بالحرّيّة…
    وربّما كان (ناظم حكمت) ، يستشيط شوقا إلى (الأناضول) ، بعدما هَدَّه الحرمان ، وعذّبته المنافي…
    وربّما كان (رضا الجّلالي) ، يتخبّط في نَدَمِه الأكول على مغادرة صاحبه ، ورحيله باكرا جدّا عن فواكه الدّنيا… ولماذا لا تكون (أحلام مستغانمي) ، أخذتْ شكل فَرَسٍ حزينة ، وقد وقفتْ هناك ، تَنُوءُ تحت أحمال (جزائرها) الحُسنى ، حتّى نَحُلَتْ روحها الرّهيفة ؟ أو (سعاد الشّايب*) ، تقاوم ببسالة ، حتّى لا تتمكّن من إتلافها المذلّة ، وسِياط الفقر الّلاهبة ؟
    أو (الأمّ تيريزا) ، شَعُرَتْ بأنّها لَمْ تقم بواجبها كاملا ، تُجاه المسحوقين في الأرض ، فظلّت روحها مُعذَّبَة ، هائمة على وجهها وتنوح…
    أو سيّدة الوَجْد الإنسانيّ على الإطلاق ، رفيعة الشّأن والمنزلة ، (رابعة العدويّة) ، وقد عادت من أجلي أنا لمواساتي ، وتدريبي على الصّبر ، وتدفئة روحي من بَرْدِها الأزليّ…
    جَلَّتْ يا روحي مَوَاجِدُكِ…
    جلّت نجومك الباهرة في الّليل ، وفي منتصف النّهار…
    جلّت حتّى خطاياك الصّغيرة…
    ولكن رِفْقًا يا مولاتي بِبَيْتِكِ الواهي ، هذا الجسد النّحيل : جسدي.
    (5)
    سيّدتي الفريدة :
    هل قلتُ شيئا عن جَوادٍ حزين ؟
    نعم قلتُ شيئا عن جواد حزين..
    نعم ذلك الجواد ذَكَّرَني بِفَرَس كُنّا نملكها قديما…
    كنتُ صغيرا…
    (لا أَذْكُرُ أنّني كنتُ صغيرا)…
    وكانت فَرَسًا عالية التّربية ، تِحْني عُنُقَها الطّويل برشاقة مذهلة لِأَمْتطِيها ، وأُعيد شاةً شاردة ، أو معزاة شقيّة إلى القطيع…
    وكان لنا كلب لا مثيل له ، يحرس أرضَنا الشّاسعة ، الّتي بَدَّدَتْها نزوات أبي ، ويحرس حتّى القمح الّذي تُشَمِّسُه أمّي مِنَ الطّيور المُحتالة…
    قديما كانت لنا دار طِينيّة ، أَتْلَفَتْها الأمطارصيرة العمر الموسميّة ، وأتلفها خُلُوّ أركانها مِنْ أنفاس سُكّانها القُدامى ، الّذين غادروها نحو العواصم الّلقيطة…
    قديما كان لنا ما يكفي لِحِمايتنا مِنْ عَضّات الوقت وغَدْرِه…
    والآن ، لي ما يكفي مِنَ الأحزان ، لِحِمايتي مِنْ غَدْرِ السّعادات النّادرة…
    إِذْ كلّما هَبَّتْ على قلبي سعادة قصيرة العمر ، (وهي عادة ما تكون قصيرة جدّا) ، شعرتُ بالخدعة…
    شعرتُ أنّني طُعِنْتُ بسِكّينة انتصار غادر ، وَوَتْ روحي من شراسة الألم…
    أَرَأَيْتِ كيف أنّ أحزاني مشدودة إلى الذّكريات ؟
    أعترف يا سيّدتي أنّ هذه الرّسالة ، الّتي سأنتهي مِنْ كتابتها بَعد ثلاث فقرات ربّما ، رسالة مُرتبكة ومشوّشة ، وربّما مشحونة بالهذيان والحُمّى ، إِذْ لستُ أدري لماذا أحدّثك عن الخيول الحزينة والهزيلة ، والذّكريات الفاجعة !
    ربّما شعرتُ كعادتي بأنّني يجب أن أتحدّث إلى أحد ما ، لَهُ قُدرة خارقة على احتمالي قليلا ، كَيْ لا أُجَنّ ، فٱخْترتُ هذه المرّة ، أن تكوني أنت (ضحيّتي) الرّائعة ، أُسَدِّدُ نحوك بعض همومي ، عَلَّني أستريح قليلا فقط…
    فقد عَلَّمتني الحوادث ، أَلَّا أبوح إلّا لِبِئْرٍ عميقة ، أو لكائن عظيم…
    وها أنا أفعل ذلك فَحَسْب…
    أكتب إليك ، أو هذا ما أَتَوَهَّمُه.
    (6)
    سيّدتي الرّقيقة :
    منذ عشر دقائق تقريبا ، كنتُ أجلس في أحد المقاهي الرّديئة ، إلى جانب كائن رَمْلِيّ بامتياز ، يحبّ صحراءه بوحشيّة ، يحبّها حدّٱحتباس النّفس…
    وأكاد أُجْزِمُ أنّ ما يسري في عروقه دماء من…رِمال…
    كان المقهى مُعَفّرًا بالرّمل والغُبار ، ومَرْشوشا بالوجوه الكئيبة…
    شَكَوْتُ للكائن الرّمليّ حرائقي ، وقَرَفي مِن شماتة الطّقس…
    قال بِفَخْرٍ كَمَنْ حَقَّق انتصارا ساحقا ومُدَوِّيا بِذَبْحِ حمامة :
  • مِيزة الصّحراء الأُولى قَسوتُها.
    وقَبْلَ أن أسأله عن كيفيّة افتخار آدميّ عاقل ، بالأشياء القاسية ، دَفَعَ ثَمَن القهوتين ، وغادر المكان كَمُنْتَصِرٍ ، مُخَلّفا في ذهني شماتة القحط في السّيّد البحر…
    غادر كأنّه يعلم أنّنا نحن أبناء الشّمال ، عندما يحارِبُنا الصّيف هنا في الجنوب ، لا نستطيع معه شيئا ، سوى سَلْخِ جُلودِنا كَيْ لا نُجَنّ…
    وذات الفصل الّلعين ، يحارِبُنا هناك في الشّمال ، فَنَهْزِمُ بِضربة بَحْرٍ بديع…
    وعندما يحاربنا الشّتاء هنا ، نستقبلُه بالمحبّة ودِفْءِ البيوت والنّزوات…
    وذات الفصل الأليف يحاربنا هناك ، فنُرْسِلُ له الصّيف من قلب حرائقِنا ونَنْجُو…
    أنا مثلا ، عندما أشعر أنّ الصّيف يحاربُني وحدي ، -وهذا شعوريَ الدّائم- ، فإنّني بِوْعي دائما ، أن أعتبر عداوَته الخاصّة لي ، إعجابا وٱعترافا بالقوّة…
    إنّني أفعل هذا ، في محاولة يائسة منّي ، لِطَرْدِ الهزائم الشّنيعة ، الّتي أستسلِمُ لشماتَتِها في النّهاية ، كأنّني لمْ أُقاوم عَدُوّا في حياتي…
    هذا ما خَلَّفَهُ الكائن الرّمليّ ، ذلك السّعيد بصحرائه القاسية…
    أمّا أنا ، فإنّني لمْ أَسْعَدْ بأيّ مكان…
    كلّ الأماكن الّتي أحببتُها ، خَبَّأْتُها داخلي ورحلتُ ، ولمْ ألتفت خَلفي أبدا ، لِئَلّا أُصابَ بالحنين إليها ، لأنّني أخاف مِن شيئين :
    تدمير الحنين لأعماقي…
    وخِذلان الأماكن لقلبي أثناء العودة…
    والحقيقة -سيّدتي الغالية- ، أنّ ذلك الكائن الرّمليّ ، قدِ انْتَزَعَ قليلا مِن إعجابي ، (نادرا ما يكون إعجابي بالأشياء كاملا) ، بِحُبّه الطّاغي للمكان ، فقلتُ مُخْتَلِقًا عُذْرًا يبْدو وجيها :
  • لقد نَبَتَ الرّجُل هنا ، في الجحيم ، ولا حَقّ لي في مُعاتَبَتِه عن وفائه الضّاري لجحيمه.
    أمّا أنا الكائن المائي جدّا وبامتياز ، فلابُدّ لي -ما دمتُ هنا- ، مِنَ البحث عن وقتٍ آخر لهذا المكان ، وتحديدا : لهذا الجحيم.
    (7)
    وقبل أن أنسى ، أنا المُصاب بآفة النّسيان الأكول…
    قلبي فقط يملك ذاكرة نديّة :
    لقد قرأتُ كثيرا عن ذاكرات الأجساد ، وعنِ الحواسّ وهي تعزف فوضاها ، لكنّني لمْ أنسَ العابرات والعابرين ***
    إنّهم يَعْبُرون الأَسِرَّةَ يا سيّدتي …
    يعبرونها ثِقالا مِثل غُزاة منتصرين عند الظَّفَرِ بسباياهم…
    أو كقُطْعان حيوان النَّوْء ، وهي تجوب براري إفريقيا ، ولا تُخَلِّف خَلْفَها سوى القحط ، وسحابات الغبار والأْتْرِبَة…
    وهُنّ أيضا يَعْبُرْن الأسرّة بجوع كافر ، وبِعُواء بنات آوى في صحارَى العدم والفراغ…
    أمّا ما يُخَلِّفْنَه خَلْفَهُنّ ، فَيَكْفي ما يدلّ على بشاعة هذا المعنى :
    إنّهُنّ يَعْتَمِدْنَ سياسة الأرض المحروقة…
    هذا ما يحدث للذَّوَات الإنسانيّة المُقدّسة…
    إنّه عبور مُذِلّ ومُهين ، يَكْسِرُ الأرواح الشّفيفة ، ويفقدها ملامحها الحُسْنى…
    إنّه عبور لا شيء يُشبهُه سوى الإبادة…
    إبادة الذّات ، وسَحْقِها بِنِعال الإستِهانة والتّحقير…
    فإلى أين يمضي هذا الآدميّ الجديد ، أو الحديث ، أو المعاصر ؟
    إلى أين يقود رعاياه (رجالا ونساء) مِن أَعْناقِهم ، ولا شيء يبدو أَمامه سوى الهاوية ؟
    الأزمنة الثّلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل) ، تُعْجَنُ وتُقادُ كالبهائم ، إلى الفراغ والموت ، الّذي لا تستحقّه أبدا…
    فتصَوَّري إلى أيِّ مَدى غَدَا هذا الآدميّ أعمى…
    إنّك -يا رقيقة الّله في الأرض- ، تُدركين ولا شكّ ، فَداحة هذا السَّلْب الوحشيّ لِقيمة الإنسان ، وأَحَقِّيته في العيش الشّرعيّ جدّا ، على هذه الأرض الشّرعيّة جدّا جدّا…
    وربّما لهذا السّبب تحديدا ، إضافة إلى زرع الجمال ، تُقاومين هذا الإجتياح بالكتابة ، وتفضحين هذا العُبور الشّنيع…
    فَلْتَحْيا الكتابة والكتابة والْ…كتابة.
    (8)
    كاتِبَتي :
    إنّني لمْ أَقُلْ كلّ شيء ، أو إنّني لم أقل شيئا…
    فَقَدْ يكون الشّرود الّذي غَدَا مِيزَتي منذ سنين عديدة…
    وقد يكون الهذيان ، وحُمّى الرّوح الّتي قُهِرَتْ جَهْرًا وعَلانِيَة تحت الشّمس…
    وقد يكون الأمل المغدور ، يَئِنُّ أو يعوي على هذه الأوراق…
    قد يكون كلّ هذا ، وأشياء أخرى لا أَعْلَمُها ، لكنّ الّذي أعلمه جيّدا ، هو أنّني أردتُ البَوْحَ لا غير ، ويبدو أنّني -كعادة الطّاعنين في الفشل الدّائم- ، في إصابة مَقاصدي…
    سلامي إذن ، (وَقاكِ الّله شَرَّ السّلام)…
    مع الأمنيات بالإقامة الدّائمة في الوردة. ڨْبِلِّي - تونس - أوت 2005

*(رضا الجّلالي) : مِنْ أَجْوَدِ ما أنجبتْ السّاحة الشّعريّة التّونسيّة ، توفّي منذ سنوات إثر مرض مفاجىء.
**(سعاد الشّايب) : شاعرة تونسيّة متميّزة جدّا ، وزوجة الكاتب إلى حدود 21 سبتمبر 2005.
***إشارة إلى ثلاثيّة الكاتبة الكبيرة (أحلام مستغانمي) : ذاكرة الجسد/فوضى الحواسّ/عابر سرير.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.